تظل التوبة من أعظم أبواب الرحمة التي فتحها الله لعباده، مهما عظمت الذنوب وكثرت المعاصي واستحكمت الغفلة في حياة الإنسان، فلا يوجد ذنب يعظم على عفو الله إذا صدق العبد في رجوعه.
وفي بيان دعوي عميق، يوضح العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أن من أخطر موانع التوبة أن يسيطر اليأس على قلب الإنسان، فيظن أن ماضيه المليء بالذنوب يحول بينه وبين رحمة الله، وهذا ظن باطل يخالف صريح القرآن.
اليأس من رحمة الله أول موانع التوبة
يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي إن التوبة لها بواعث ولها موانع، ومن موانع التوبة أن تستحكم الذنوب في حياة الإنسان وتُطبِق عليه، ويشعر باليأس ويقول أنني عشت طول حياتي مرتكباً للمنكرات مقترفاً للكبائر غارقاً في أوحال الذنوب ولو نزلت في المحيط الهادي لن يطهرني، بعض الناس يظن هذا، وهذا خطأ من غير شك.
ويؤكد المعنى القرآني أن باب الرحمة لا يغلق أمام عبد رجع إلى ربه، لأن الله تعالى يقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53).
ويقرر الدكتور يوسف القرضاوي أن الذنوب جميعاً تغفر بالتوبة حتى الشرك حتى الكفر؛ لأن الإنسان إذا كان مشركاً وكافراً وتاب يتوب الله عليه، مستشهداً بقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ} (الأنفال:38).
كما يبين القرآن أن التوبة تنقل الإنسان من حال العداوة والمعصية إلى حال الأخوة في الدين، فقال الله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} (التوبة:5)، وقال تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} (التوبة:11).
ويضيف العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أن التوبة تجُّب ما قبلها ومنها التوبة من الشرك والتوببة من النفاق والتوبة من الكبائر والتوبة من الصغائر، التوبة من كل ذنب حتى المنافقين ربنا سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ اللْمُؤْمِنِينَ} (النساء:145، 146).
ومن هنا يظهر أن التوبة ليست امتيازاً لفئة دون فئة، وليست باباً ضيقاً لمن قلت ذنوبه فقط، بل هي باب مفتوح لكل من صدق في الرجوع إلى الله، مهما كان حجم ما وقع فيه من الذنوب.
أركان التوبة بين العلم والندم والعزم
يقرر الدكتور يوسف القرضاوي أن باب التوبة مفتوح للجميع، كل ما في الأمر أن تكون توبة صادقة توبة خالصة، توبة نصوحاً كما عبر القرآن الكريم؛ لأن بعض الناس يظن التوبة مجرد كلام يُقال وبعض الناس يأتي للمشايخ ويقول له توِّبني يا سيدنا الشيخ.
والتوبة في حقيقتها ليست عبارة يرددها اللسان فقط، بل تحول كامل في النفس والقلب والسلوك، يبدأ بإدراك الخطأ، ثم يتولد عنه ندم حقيقي، ثم يتحول الندم إلى عزم عملي على ترك الذنب.
ويشرح العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أن التوبة لها أركان أو مقومات ولها شروط، وأركان التوبة الأساسية ثلاثة: ركن الندم، فمن مقومات التوبة يوجد مقوِّم نفسي وهذا كما قال الإمام الغزالي يتكون من علم وحال وعمل.
فالجانب الأول هو العلم، وهو الجانب المعرفي في التوبة، حيث يعرف الإنسان خطأه وأنه سلك مع الله سلوكاً غير لائق، ويعرف آثار هذه الذنوب وآثار المعاصي في دنياه وفي آخرته وعلى نفسه وعلى صحته وعلى أخلاقه وعلى أسرته وعلى أولاده.
ويؤكد الدكتور يوسف القرضاوي أن الإنسان يعرف مقام الله عز وجل ويعرف حاجته إلى التوبة هذا الجانب المعرفي، والجانب المعرفي يترتب عليه جانب وجداني ويسميه الإمام الغزالي الحال وهذا الذي نقول عنه الندم.
وعندما ينتبه القلب إلى آثار المعاصي يندم الإنسان، وهذا الندم ليس شعوراً عابراً، بل حالة داخلية توقظ القلب من غفلته، وتجعله يشعر بثقل ما فرط في جنب الله.
ويصف العلامة الدكتور يوسف القرضاوي هذا الندم بأنه شعور توتر يحس به الإنسان بلذعة تلذع كأنها نار تحرقه احتراق داخلي، وهي حالة نفسية لا بد منها في صدق التوبة.
وقد حدثنا القرآن عن نفسية التائبين في سورة التوبة فقال: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ ببِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} (التوبة:118).
ويعلق الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الحالة بقوله إن هذه حالتهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، على سعة الدنيا تهيأ له كأنها أصبحت كرة صغيرة، وضاقت عليه نفسه وظن ألا ملجأ من الله.
ولا بد من هذه الحالة النفسية، أي الشعور بالحسرة والحزن على ما فات وما فرط في جنب الله، ثم يأتي بعد ذلك أثرها في المستقبل، وهو العزم والتصميم على عدم العودة إلى المعصية.
ويبين الدكتور يوسف القرضاوي أن الإنسان إذا ندم على ما فات فلابد من العزم على إصلاح ما هو آت، فلا يكفي أن يكون زعلان وحزنان ومتحسر على ما مضى.
ومن لوازم التوبة الصادقة أن يؤدي الندم إلى قرار واضح، وهو أن العبد لن يعود إلى المعصية أبداً، وأن تكون لحظة التوبة لحظة صدق وتصميم، لا مجرد انفعال مؤقت.
ويذكر العلامة الدكتور يوسف القرضاوي قول العلماء إن التائب يجب أن يكون ساعة التوبة مصمماً على ألا يعود إلى هذا الذنب أبداً، كما لا يعود اللبن إلى الضرع إذا خرج منه.
التوبة عمل يغير السلوك والبيئة
بعد الجانب الوجداني والإرادي يأتي الجانب العملي، لأن التوبة التي لا تغير السلوك تبقى ناقصة، فلا يصح أن يزعم الإنسان أنه تاب وهو مقيم على المعصية نفسها، أو محافظ على أسبابها القديمة.
ويقرر الدكتور يوسف القرضاوي أن هناك جانب عملي بعد ذلك، بعد الجانب الوجداني والإرادي، يوجد جانب عملي وهو أن يُقلع بالفعل عن المعصية.
ومن فروع هذا الجانب العملي أن يستغفر العبد ربه بلسانه وقلبه، مستحضراً قول آدم وحواء عليهما السلام: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف:23).
ويورد الدكتور يوسف القرضاوي قصة الرجل الذي قتل 99 نفساً، ثم ذهب إلى عابد وقال له: أنا قتلت 99 نفساً فهل لي من توبة؟، فقال له: ليس لك من توبة أبداً فقتله وأكمل به 100 نفس.
ثم ذهب الرجل إلى عالِم فقال له: قتلت مئة نفس فهل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة ولكن اترك البلد التي أنت فيها واذهب إلى بلدة صالحة أخرى.
ويستخرج الدكتور يوسف القرضاوي من هذا الحديث معنى مهماً، وهو أن الإنسان عليه أن يغير البيئة، فالشِلَّة القديمة لابد أن يغير أصحاباً بأصحاب، وإخواناً بإخوان.
فالصاحب له أثر كبير في الثبات أو الانتكاس، ولذلك يحتاج التائب إلى أناس يدعونه إلى الخير، إذا رآهم رؤيتهم تدله على الخير، وكلامهم يحث على الطاعة، ومصاحبتهم تغريه بتقوى الله.
ويضيف الدكتور يوسف القرضاوي أن من ناحية أخرى قال صلى الله عليه وسلم "واتبع السيئة الحسنة تمحها"، وكما قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود:114).
ولهذا فعلى التائب أن يغير السيئة بحسنة، وأن يبدل باب الشر بباب خير، خاصة إذا كانت الحسنة من جنس السيئة، حتى تكون توبته تصحيحاً عملياً لما أفسده سابقاً.
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: فلو كان يعُقُّ والديه فعليه أن يبالغ في برِّهما، كان يقطع أرحامه عليه أن يصل الأرحام، كان يغتاب الناس عليه أن يذكر حسناتهم.
ومن صور التبديل العملي أيضاً أن من كان يقرأ الكتب غير المفيدة فعليه أن يقرأ كتاب الله ويقرأ الكتب الإسلامية، ومن كان مذيعاً للضلال فعليه أن يشتغل مذيعاً للصدق والخير.
ويؤكد الدكتور يوسف القرضاوي أن من كان يؤلف كتب تضلِّل الناس عن الله فعليه أن يؤلف كتب ترد الناس إلى الله وتدعو الناس إلى الله، فالسيئة يعمل حسنة من جنسها.
وهذه هي أركان ومقومات التوبة، وليست مجرد أن يقول الإنسان تبت إلى الله ورجعت إلى الله وندمت على معصية الله، لأن التوبة الحقيقية تظهر في الإرادة والعمل والسلوك.
ويختم الدكتور يوسف القرضاوي هذا المعنى بأن التوبة سلوك ناتج عن وجدان وعن توتر وعزم يتبعه سلوك، فإذا صدقت التوبة لابد أن يتبعها سلوك.
فالقرآن يربط التوبة بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (طه:82).
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الفرقان:68- 70).
ومن هنا يتبين أن التوبة تجديد للإيمان، لأن الذنوب تخدش الإيمان، ولا بد أن يرمم العبد هذا الإيمان بتوبة صادقة يتبعها عمل صالح واستقامة على طريق الله.
فالعبد إذا صدق في توبته لم يقف عند الحزن على الماضي، بل بدأ حياة جديدة مع الله، يترك فيها المعصية، ويصلح ما أفسد، ويبدل السيئات بالحسنات، ويرجو رحمة الله ولا يقنط.
والخلاصة أن باب التوبة مفتوح لكل عبد، وأن اليأس من رحمة الله أخطر من الذنب نفسه، وأن التوبة النصوح علم وندم وعزم وإقلاع وعمل صالح، وبذلك يبدل الله السيئات حسنات.
والله أعلم.

