كشفت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في مجلس الدولة، عبر الفتوى رقم 453 لسنة 2026، ملف رقم 37/2/964، عن أزمة مالية داخل فرع توثيق حلوان المطور، بعدما رصدت لجنة فنية إهدار 1.48 مليار جنيه في رسوم إقرارات ميزانيات الشركات.

 

وتأتي الواقعة في لحظة تضغط فيها الحكومة على المواطنين برسوم وضرائب وأسعار خدمات متصاعدة، بينما تكشف الأوراق نفسها أن خللًا إداريًا في تقدير رسوم 28 إقرارًا فقط كان كافيًا لفتح باب نزيف ضخم من المال العام.

 

وبحسب الوقائع المعروضة على مجلس الدولة، بدأ الملف بخطاب من وزير العدل إلى رئيس مجلس الدولة، لطلب الرأي في مدى خضوع إقرارات صحة ميزانيات الشركات المتضمنة عبارة يستخدم داخل وخارج البلاد للحد الأقصى للرسم النسبي.

 

ثم ورد إلى مساعد وزير العدل لشؤون الشهر العقاري والتوثيق تقرير لجنة مشكلة بقرار أمين عام مصلحة الشهر العقاري والتوثيق رقم 898 لسنة 2025، عن الأعمال المالية والرسوم داخل فرع توثيق حلوان المطور.

 

كما سجل التقرير مخالفة مالية واضحة تمثلت في تقدير الرسم النسبي بأقل من المستحق، عند التصديق على إقرارات صحة ميزانية بعض الشركات، بما أدى إلى إهدار 1,488,210,154 جنيهًا عن 28 إقرارًا فقط.

 

ومن هنا لم يعد الملف خلافًا فنيًا محدودًا بين موظفين حول طريقة الحساب، بل تحول إلى سؤال مباشر عن قدرة وزارة العدل ومصلحة الشهر العقاري على حماية إيرادات عامة ضخمة من أخطاء التقدير والرقابة.

 

 

إهدار بدأ من شباك توثيق وانتهى برقم يطارد وزارة العدل

 

في البداية شكّلت الجهة المختصة لجنة ضمت مديري إدارات التفتيش المالي، ومفتشين ماليين، ومفتشين من الإدارة العامة للتفتيش الفني، لإبداء الرأي في ملاحظة اللجنة الأولى بشأن الرسوم المقدرة على إقرارات الميزانيات.

 

وبعد ذلك ظهر الخلاف حول التطبيق الصحيح لقانون رسوم التوثيق والشهر رقم 70 لسنة 1964، بعد تعديلاته بالقانونين رقمي 163 لسنة 2019 و67 لسنة 2021، خصوصًا عند وجود عبارة داخل وخارج البلاد.

 

لذلك انتقل النزاع من دائرة التفتيش الداخلي إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، باعتبارها جهة إفتاء قانوني في المسائل التي تحال إليها بسبب أهميتها من الوزراء أو الجهات العامة.

 

وعرضت الجمعية العمومية الموضوع في جلستها المعقودة يوم 25 مارس 2026، وراجعت نصوص قانون رسوم التوثيق والشهر، بما في ذلك المواد المنظمة لأنواع الرسوم وحالات استحقاق الرسم النسبي على المحررات.

 

في هذا السياق، يضع الخبير الاقتصادي وائل جمال هذا النوع من الوقائع في قلب سؤال العدالة المالية، لأن ضياع الإيرادات العامة لا يبقى رقمًا محاسبيًا، بل يتحول إلى عبء يعوضه المواطن من أسعار وخدمات أضعف.

 

وبهذا المعنى، لا تقتصر أهمية رقم 1.48 مليار جنيه على حجمه، بل تمتد إلى الطريقة التي ظهر بها داخل ملف إداري محدود، لأن 28 إقرارًا فقط كشفت هشاشة منظومة تقدير مالية يفترض أنها محصنة.

 

غير أن الحكومة التي تطالب المواطنين بسداد كل قرش في الكهرباء والمياه والمرور والتصالح، تبدو هنا أمام امتحان عكسي، إذ يكشف الملف أن المال العام قد يهدر من داخل المكاتب الرسمية نفسها.

 

 

ثغرة داخل وخارج البلاد تكشف ارتباك النص والتطبيق

 

ويحدد قانون رقم 70 لسنة 1964 ثلاثة أنواع من الرسوم على أعمال التوثيق والشهر، هي الرسم المقرر ورسم الحفظ والرسم النسبي، ثم يربط الرسم النسبي بطبيعة التصرف أو الموضوع داخل المحرر.

 

كما تنص المادة 18 على فرض رسم نسبي على كل تصرف أو موضوع داخل المحررات المطلوب توثيقها أو التصديق على توقيعات أصحاب الشأن فيها أو شهرها أو إيداعها أو حفظها في غير موضوع إشهاد.

 

وتنص المادة 19 على تحديد الرسم النسبي وفق الفئة الموضحة قرين كل تصرف أو موضوع في الجدولين أ وب المرفقين بالقانون، وهو ما جعل توصيف الغرض من الإقرار عنصرًا حاسمًا في الحساب.

 

ثم أضاف القانون رقم 163 لسنة 2019 بندًا جديدًا إلى الجدول ب، يتعلق بسابقة الخبرة وصحة ميزانية شركات المقاولات لتقديمها للعمل بالخارج، وحدد الرسم النسبي بنسبة 0.5% وبحد أقصى 100 ألف جنيه.

 

وبعدها وسع القانون رقم 67 لسنة 2021 نطاق البند، فاستبدل كلمة الشركات بعبارة شركات المقاولات، حتى تمتد المعاملة إلى كل الشركات الراغبة في تقديم سابقة الخبرة وصحة الميزانية للعمل خارج البلاد.

 

لكن جوهر الأزمة ظهر عندما استخدمت الشركات عبارة داخل وخارج البلاد، لأن هذه الصياغة جمعت بين غرضين مختلفين، أحدهما يتمتع بسقف تشجيعي للعمل بالخارج، والآخر يخضع للقاعدة العامة داخل البلاد.

 

ومن زاوية قانونية، يخدم طرح المحامي الحقوقي نجاد البرعي حول وضوح النص وحماية اليقين القانوني هذا الملف، لأن الإدارة لا تملك تحويل استثناء محدود إلى قاعدة عامة بمجرد إضافة عبارة واسعة في الإقرار.

 

لذلك شددت الجمعية العمومية على أن النصوص المالية تفسر تفسيرًا ضيقًا، فلا يجوز التوسع في الإعفاء أو السقف المالي، ولا يجوز القياس على حالة خاصة لتخفيض رسم مستحق في حالة أخرى.

 

وبناء على ذلك، اعتبرت الجمعية أن البند ذي الحد الأقصى مخصص للإقرارات المقدمة للعمل خارج البلاد، وأن إدخال الاستخدام داخل البلاد في العبارة يخرج التصديق من نطاق السقف المقرر.

 

كما رأت الجمعية أن عبارة داخل وخارج البلاد تفيد بشكل قاطع أن الإقرار مخصص أيضًا للعمل داخل البلاد، وهو ما يجعل الرسم النسبي مستحقًا وفق القاعدة العامة بنسبة 0.5% دون حد أقصى.

 

 

رسوم بلا سقف ومساءلة مؤجلة عن مليارات كانت قابلة للضياع

 

ويعني هذا التكييف أن الخطأ لم يكن تفصيلًا لغويًا، لأن تطبيق سقف 100 ألف جنيه على إقرارات تحمل استخدامًا داخليًا أدى عمليًا إلى تخفيض ضخم في الرسوم المستحقة على ميزانيات شركات كبيرة.

 

ومن ثم يصبح السؤال الأساسي هو كيف مر تقدير رسوم بهذا الحجم داخل فرع توثيق واحد، قبل أن ترصده لجنة لاحقة، ومن المسؤول عن الفارق بين ما سددته الشركات وما كان يجب تحصيله.

 

هنا تضيف الباحثة الاقتصادية سلمى حسين زاوية مهمة من خبرتها في شفافية الموازنة، لأن غموض البيانات المالية الرسمية يضعف حق المجتمع في معرفة أين تضيع الموارد وكيف تسترد الدولة الأموال العامة.

 

وبالتالي لا يكفي أن تحسم الفتوى طريقة حساب الرسم في المستقبل، لأن أصل المشكلة يتعلق بمسار رقابي سمح بتسعير ناقص داخل مرفق عام، ثم احتاج إلى لجان متتالية للوصول إلى تفسير ملزم.

 

كذلك يطرح الملف عبئًا سياسيًا على الحكومة، لأنها لا تستطيع استخدام خطاب حماية موارد الدولة مع الفئات الأضعف، ثم تترك ملفات الشركات الكبيرة معلقة بين خطأ تقدير وتفسير متأخر ومساءلة غير معلنة.

 

وفي المقابل، تؤكد حيثيات الفتوى أن الهدف من الحد الأقصى كان تشجيع الشركات الوطنية على العمل بالخارج وزيادة المتحصلات بالعملة الأجنبية، وليس فتح باب عام لتخفيض رسوم ميزانيات تستخدم داخل البلاد.

 

لذلك فإن استخدام عبارة داخل وخارج البلاد لا يمكن أن يصبح مفتاحًا لتطبيق مزية مقررة لغرض محدد، لأن المنطق القانوني هنا يربط السقف التشجيعي بالعمل الخارجي وحده لا بالاستخدام المختلط.

 

ومن ناحية إجرائية، تبرز قراءة المحامي أحمد راغب لمسائل الضمانات وسيادة القانون أهمية فتح مسار مساءلة واضح، لأن تصحيح الحسابات وحده لا يجيب عن مسؤولية الموظفين والجهات التي قبلت التقدير الناقص.

 

كما يفرض حجم الفارق المالي ضرورة إعلان ما إذا كانت وزارة العدل ستطالب الشركات محل الإقرارات بسداد فروق الرسوم، وما إذا كانت المصلحة ستفحص ملفات أخرى جرى توثيقها بالعبارة نفسها.

 

وعلى مستوى الرأي العام، تبدو الواقعة أكبر من نزاع حول حد أقصى للرسم النسبي، لأنها تكشف طريقة تعامل الإدارة مع المال العام حين يكون الطرف المقابل شركات لا مواطنين يبحثون عن خدمة يومية.

 

لذلك تحتاج وزارة العدل إلى إعلان نتائج المراجعة كاملة، بما يشمل عدد الإقرارات، وأسماء الجهات الرقابية التي راجعت التقدير، وإجراءات استرداد الفروق، وحدود المسؤولية الإدارية أو التأديبية داخل الشهر العقاري.

 

ومن دون هذا الإعلان، ستبقى الفتوى نصف حسم، لأنها صححت مسار التفسير القانوني لكنها لم تكشف للمواطن من سمح بتقدير ناقص، ومن انتفع، ومن سيتحمل كلفة الإهدار أو التقصير.

 

وفي النهاية، تكشف فتوى مجلس الدولة أن المال العام لا يهدر فقط في المشروعات الكبرى أو الصفقات المغلقة، بل قد ينزف من عبارة قصيرة على إقرار ميزانية، ومن تقدير خاطئ داخل مكتب توثيق.

 

ولهذا تصبح أزمة 1.48 مليار جنيه اختبارًا مباشرًا للحكومة، لا في قدرتها على إصدار الفتاوى، بل في قدرتها على استرداد الأموال، ومحاسبة المسؤولين، ووقف تحويل أخطاء الإدارة إلى فاتورة يدفعها المواطن.