شكّلت قصة فاطمة كيتس واحدة من أكثر القصص الإنسانية والدعوية تأثيرًا في تاريخ الإسلام داخل بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، إذ تحولت من شابة تنتمي إلى أسرة مسيحية متواضعة في مدينة ليفربول إلى واحدة من أبرز الوجوه الإسلامية النسائية في البلاد، بعدما دفعتها قناعاتها الشخصية إلى اعتناق الإسلام رغم ما تعرضت له من ضغوط عائلية واجتماعية قاسية وصلت إلى حد الزواج القسري والاعتداءات المتكررة ومحاولات العزل والتشهير.
وتُعرف فاطمة كيتس بأنها أول امرأة تدخل الإسلام في مدينة ليفربول، كما ارتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا ببدايات النشاط الإسلامي المنظم في بريطانيا، حيث لعبت دورًا محوريًا في تأسيس أولى المؤسسات الإسلامية التي عملت على التعريف بالإسلام ونشر تعاليمه بين البريطانيين في فترة كانت النظرة إلى المسلمين تتسم بالكثير من الأحكام المسبقة والعداء المجتمعي.
من أسرة مسيحية متواضعة إلى البحث عن الحقيقة
وُلدت فرانسيس إليزابيث موراي في الخامس من يناير عام 1865 بمدينة بيركنهيد الإنجليزية، ونشأت في أسرة مسيحية من الطبقة العاملة ذات أصول أيرلندية.
ورغم الظروف الاقتصادية المحدودة التي أحاطت بعائلتها، فإنها تمكنت من تلقي تعليمها بفضل قوانين التعليم الإلزامي التي دخلت حيز التنفيذ في بريطانيا خلال تلك الفترة.
ومنذ سنواتها الأولى، عُرفت فرانسيس بشخصيتها المستقلة وجرأتها في التعبير عن آرائها والدفاع عن قناعاتها، وهو ما ظهر لاحقًا في قراراتها المصيرية التي اتخذتها رغم المعارضة الواسعة التي واجهتها.
ومع بلوغها مرحلة الشباب، انضمت إلى "حركة الاعتدال" التي كانت تدعو إلى الحد من استهلاك المشروبات الكحولية ومكافحة آثارها الاجتماعية، وتدرجت داخل الحركة حتى أصبحت أمينة سر فرعها في ليفربول، الأمر الذي أتاح لها التواصل مع عدد من الشخصيات الإصلاحية والفكرية آنذاك.
لقاء غيّر مسار حياتها
خلال نشاطها في حركة الاعتدال، استمعت فرانسيس إلى إحدى المحاضرات التي ألقاها الداعية البريطاني المسلم عبد الله هنري كويليام، والذي كان يعد من أبرز الشخصيات الإسلامية في بريطانيا في ذلك الوقت.
وخلال حديثه عن النبي محمد ﷺ بوصفه نموذجًا أخلاقيًا يرفض المسكرات ويحث على الفضيلة، أثار كويليام فضول الشابة البريطانية التي بدأت تبحث بنفسها عن حقيقة الإسلام بعيدًا عن الصور النمطية المنتشرة في المجتمع الإنجليزي.
وحين أبدت اهتمامًا بالدين الإسلامي، لم يطلب منها كويليام اعتناق الإسلام مباشرة، بل نصحها بقراءة القرآن الكريم بنفسها، وأهداها نسخة مترجمة منه، مؤكدًا لها أن أفضل وسيلة لفهم الإسلام هي الرجوع إلى مصادره الأصلية.
وكانت تلك النصيحة نقطة التحول الكبرى في حياتها، إذ لم تمض سوى أسابيع قليلة حتى أعلنت إسلامها رسميًا في يونيو عام 1887، واختارت اسم "فاطمة" ليكون اسمها الجديد.
معاناة عائلية وزواج قسري
لم يمر قرار اعتناقها الإسلام دون ثمن باهظ، فقد واجهت رفضًا شديدًا من أسرتها التي اعتبرت تحولها الديني خروجًا عن التقاليد السائدة.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن والدتها حاولت انتزاع المصحف الشريف منها بهدف إحراقه، فيما تعامل أفراد عائلتها مع قرارها باعتباره تحديًا مباشرًا لقيم الأسرة ومعتقداتها.
ومع تصاعد الخلافات داخل المنزل، تعرضت فاطمة لضغوط نفسية واجتماعية كبيرة، قبل أن تُجبر على الزواج قسرًا بعدما رأت عائلتها أن ذلك قد يكون وسيلة لإبعادها عن نشاطها الإسلامي المتنامي.
ولم تتوقف معاناتها عند حدود الأسرة، بل امتدت إلى محيطها الاجتماعي، حيث تعرض منزلها للرشق بالحجارة أكثر من مرة، كما تعرضت للإهانة والمضايقات المستمرة بسبب تمسكها بدينها الجديد.
تأسيس أول جمعية إسلامية في ليفربول
ورغم كل هذه التحديات، واصلت فاطمة نشاطها الدعوي بثبات، وساهمت في يوليو عام 1887 إلى جانب عبد الله هنري كويليام وعلي هاميلتون في تأسيس جمعية ليفربول الإسلامية، التي تعد من أوائل المؤسسات الإسلامية المنظمة في بريطانيا.
وكان أعضاء الجمعية يجتمعون أسبوعيًا للصلاة وتلاوة القرآن الكريم وتقديم المحاضرات التعريفية بالإسلام، في محاولة لتصحيح المفاهيم الخاطئة المنتشرة آنذاك.
لكن الطريق لم يكن سهلاً، إذ تعرضت الجمعية منذ بداياتها لحملات عدائية منظمة من قبل معارضين كانوا يتعمدون التشويش على الاجتماعات وإفشال الأنشطة الدعوية.
ومن أكثر الحوادث قسوة التي تعرضت لها فاطمة قيام بعض المشاغبين بتلطيخ وجهها بروث الخيل في أكثر من مناسبة، في محاولة لإذلالها وردعها عن مواصلة نشاطها، إلا أنها واصلت عملها الدعوي دون تراجع.
ورغم هذه المضايقات، تمكنت الجمعية خلال سنواتها الأولى من جذب عدد متزايد من البريطانيين إلى الإسلام، لتصبح نواة للحضور الإسلامي المنظم في مدينة ليفربول.
وجه نسائي بارز للدعوة الإسلامية
مع توسع نشاط الجمعية وانتقالها إلى مقر أكبر عام 1889 تحت اسم "معهد ليفربول الإسلامي"، أصبحت فاطمة كيتس واحدة من أبرز الشخصيات النسائية المسلمة في بريطانيا.
ولعبت دورًا مهمًا في دعوة النساء إلى الإسلام، حيث نجحت في إقناع شقيقتيها كلارا وآني باعتناق الدين الإسلامي، كما ساهمت في إسلام عدد من النساء اللواتي أصبحن لاحقًا من الوجوه المعروفة داخل المجتمع المسلم الناشئ في ليفربول.
كما شاركت في كتابة المقالات والقصائد والنصوص الأدبية التي تناولت قضايا الإسلام والمجتمع، ووصل صدى كتاباتها إلى خارج بريطانيا، لا سيما في الهند البريطانية التي كانت تتابع باهتمام تطورات الحركة الإسلامية في الجزر البريطانية.
زواج مضطرب ونهاية مؤلمة
تزوجت فاطمة من هوبيرت هنري كيتس، وتمكنت من دعوته إلى الإسلام، غير أن حياتها الزوجية لم تشهد الاستقرار الذي كانت تطمح إليه.
وتذكر المصادر التاريخية أن الزوج تحول لاحقًا إلى مصدر جديد لمعاناتها، حيث تعرضت لسوء معاملة متكرر، ووصل الأمر إلى محاولات أذى خطيرة دفعتها إلى اللجوء للقضاء من أجل إنهاء العلاقة.
وفي عام 1891 تقدمت بطلب للطلاق، إلا أن القوانين البريطانية في ذلك الوقت كانت تفرض قيودًا كبيرة على النساء الراغبات في إنهاء زواجهن، الأمر الذي حال دون حصولها على الطلاق الكامل، لتكتفي بانفصال قانوني محدود قبل أن تنتهي العلاقة فعليًا حتى وفاة زوجها عام 1895.
وخلال تلك السنوات، خففت فاطمة من نشاطها العام، وقضت فترات خارج ليفربول، كما اتجهت إلى السفر والتصوير الفوتوغرافي وتوثيق المناظر الطبيعية في جنوب إنجلترا.
رحيل مبكر وإحياء للذكرى بعد أكثر من قرن
في عام 1900 أصيبت فاطمة كيتس بمرض الإنفلونزا الذي تطور لاحقًا إلى التهاب رئوي حاد، لتنتهي رحلتها وهي في الخامسة والثلاثين من عمرها فقط.
ودُفنت وفق الشعائر الإسلامية في مقبرة أنفيلد بمدينة ليفربول، غير أن قبرها تعرض للإهمال لعقود طويلة، حتى أعيد اكتشافه وترميمه بجهود أفراد من الجالية المسلمة في المدينة.
وفي عام 2022 أُعيد بناء شاهد قبرها بعد حملة تبرعات واسعة، ليعود اسم فاطمة كيتس إلى الواجهة بوصفها إحدى الشخصيات الرائدة التي ساهمت في ترسيخ الوجود الإسلامي في بريطانيا خلال مرحلة مبكرة من تاريخ المسلمين هناك.

