كشفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها عن مصر أن ضعف مشاركة النساء في سوق العمل يهدر فرصة تنموية ضخمة، إذ يمكن لتقليص فجوة التوظيف بين الرجال والنساء رفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 56%.
وتضع هذه النتيجة حكومة السيسي أمام اتهام اقتصادي مباشر، لأن الدولة التي تطلب استثمارات وفرص عمل جديدة تترك ملايين النساء المؤهلات خارج السوق، ثم تتحدث عن النمو بينما تعطل نصف طاقتها البشرية.
تعليم يتقدم وسوق عمل يطرد النساء
تشير بيانات التقرير إلى أن قوة العمل في مصر بلغت 35.4 مليون فرد، بينهم 27.6 مليون رجل و7.8 مليون امرأة فقط، وهو توزيع يكشف اختلالا واسعا في استخدام الموارد البشرية.
في المقابل، يصل معدل مشاركة الرجال في النشاط الاقتصادي إلى 72.5%، بينما لا تتجاوز مشاركة النساء 21.5%، وهو فارق لا يفسره التعليم بل تفسره بنية سوق لا تستوعب النساء.
وبحسب التقرير، تتفوق النساء في مصر على الرجال في معدلات الالتحاق بالتعليم الجامعي، كما تمثل النساء نحو نصف خريجي تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، لكن هذا التفوق لا يتحول إلى وظائف.
غير أن هذا المسار يكشف فشل الحكومة في تحويل التعليم إلى إنتاج، لأن الدولة تنفق على تخريج كفاءات نسائية ثم تترك سوق العمل يغلق أبوابه أمامهن بسبب غياب الوظائف الآمنة والمنظمة.
ويربط الخبير الاقتصادي راغوي أسعد، أستاذ الاقتصاد بجامعة مينيسوتا، تراجع مشاركة النساء بتحول الطلب على العمل نحو قطاعات غير ملائمة لهن، خاصة النساء المتزوجات، مع تقلص فرص القطاع العام الرسمية.
لذلك لا تبدو الأزمة اجتماعية فقط، لأن النمو الذي تروجه الحكومة خلق وظائف غير مستقرة ومنخفضة الأجر في قطاعات مثل البناء والنقل والتجزئة، وهي قطاعات لا توفر شروطا آمنة لكثير من النساء.
وتكشف تسمية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للظاهرة بأنها مواهب مهدرة حجم المفارقة، إذ تملك مصر نساء متعلمات في التخصصات المطلوبة، بينما تدفعهن السياسات الاقتصادية إلى البطالة أو الخروج الكامل من السوق.
بطالة الخريجات وفجوة الأجور تكسران وعد التعليم
من ناحية أخرى، يبلغ معدل البطالة بين النساء 14.3%، مقابل 3.6% فقط بين الرجال، ما يعني أن المرأة التي تدخل سوق العمل تواجه احتمالا للبطالة يقارب 4 أضعاف الرجل.
وفي الربع الأول من عام 2026، أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 41.5% من العاطلين من حملة المؤهلات الجامعية وما فوقها، وهو مؤشر يضرب جوهر خطاب التشغيل الحكومي.
ويعني ذلك أن الشهادة الجامعية لم تعد طريقا آمنا إلى العمل، خصوصا للنساء، لأن سوق التوظيف يعاقبهن مرتين، مرة عند الدخول، ومرة عند الأجر والترقي داخل القطاع الخاص.
وبينما تتحدث الحكومة عن تمكين اقتصادي، يبين تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أجور النساء في القطاع الخاص خلال 2023 بلغت 77% فقط من أجور الرجال، رغم تحسن النسبة عن 1998.
وتقدم الباحثة شيرين العزاوي، أستاذة الاقتصاد بجامعة سانتا كلارا، تفسيرا مباشرا لفجوة الأجور، إذ تربطها بتركيز النساء في مهن وقطاعات وشركات أقل أجرا رغم ارتفاع مستويات التعليم.
وعلى هذا الأساس، لا تعمل فجوة الأجور كرقم مالي مجرد، بل كآلية طرد مستمرة، لأن المرأة التي تحصل على أجر أدنى وفرص ترق أقل تفقد الحافز الاقتصادي للبقاء في العمل.
كما يكشف ضعف تمثيل النساء في الإدارة عمق الأزمة، إذ ذكر التقرير أن النساء شغلن 22% فقط من وظائف الإدارة العليا والمتوسطة في 2024، بينما قادت النساء 6% فقط من الشركات في 2022.
رعاية غائبة وقانون قد يعاقب توظيف النساء
إلى جانب ذلك، ترصد المنظمة أعباء أسرية تتحملها النساء بصورة أكبر، مع محدودية خدمات رعاية الأطفال والحضانات بتكلفة مناسبة، وهي عقبة تجعل قرار العمل مكلفا داخل الأسرة قبل مكان العمل.
وتوضح الباحثة آيرين سلوانس، عبر منتدى البحوث الاقتصادية، أن النساء في مصر يؤدين الغالبية الواسعة من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر، وأن الزواج يرفع وقت العمل المنزلي بصورة كبيرة.
ومن هنا تتحول الرعاية غير المدفوعة إلى ضريبة خفية على النساء، لأن الدولة لا توفر حضانات عامة كافية ولا تنظم ساعات عمل مرنة، ثم تحمل النساء مسؤولية الانسحاب من السوق.
وتحمل مواد قانون العمل الجديد خطرا إضافيا، لأن إلزام المنشأة بتوفير حضانة عند تشغيل 100 امرأة أو أكثر قد يدفع بعض أصحاب الأعمال إلى تجنب الوصول لهذا الرقم.
ويحذر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن ربط الحضانة بعدد العاملات فقط قد يصنع حافزا عكسيا، لأن بعض الشركات قد تحد من توظيف النساء حتى لا تتحمل تكلفة الرعاية.
بدلا من ذلك، تحتاج مصر إلى نموذج تمويل عام ومشترك لخدمات الرعاية، لأن ترك الحضانة على صاحب العمل وحده يجعل المرأة أكثر كلفة في نظر الشركات ويحول الحق إلى عائق توظيف.
وتؤكد تجربة الدول التي عرضها التقرير أن توزيع مسؤولية الرعاية بين الدولة وأصحاب الأعمال والأسر يوسع مشاركة النساء، بينما يحولها النموذج المصري الحالي إلى عبء يقع غالبا على المرأة وصاحب العمل فقط.
هكذا يكشف تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن مصر لا تخسر رقما في الناتج فقط، بل تخسر جيلا من النساء المتعلمات تحت سياسات لا تخلق عملا آمنا ولا أجرا عادلا ولا رعاية متاحة.
وتتحمل حكومة السيسي مسؤولية هذا الهدر لأنها حولت ملف مشاركة النساء إلى شعارات، بينما تركت سوق العمل ينتج بطالة للخريجات وفجوة أجور وحضانات غير كافية، وهي أسباب مباشرة لإفقار الأسر وإضعاف الاقتصاد.

