كشفت حكومة مصطفى مدبولي، عن وجود نحو 950 ألف ملف تصالح في مخالفات البناء لا تتضمن سوى طلب وصورة بطاقة فقط ما يعطل الإغلاق النهائي للملف.

 

ويضع هذا الرقم ملايين الأسر أمام معادلة قاسية صنعتها حكومة السيسي عبر قانون يتحدث عن التيسير ثم يدفع المواطن بين مراكز تكنولوجية ورسوم ومستندات ورسائل تهديد ومواعيد تمديد لا تنهي المعاناة.

 

ملفات ناقصة بين تهمة المواطن وبيروقراطية المحليات

 

في البداية حملت الحكومة المتقدمين مسؤولية نقص الملفات ووصفت عدم استكمال المستندات بعدم الجدية لكنها تجاهلت أن المواطن يتعامل مع منظومة محلية بطيئة ومتعددة المطالب وتفتقر إلى مسار واضح من أول خطوة.

 

ثم أعلنت وزارة التنمية المحلية إرسال رسائل نصية وخطابات مسجلة وحملات طرق أبواب لحث المواطنين على الاستكمال غير أن كثرة التنبيهات نفسها تكشف خللا إداريا لا يعالجه تحميل المواطن وحده مسؤولية التعثر.

 

وبحسب البيانات الحكومية استعرضت الوزيرة منظومة إلكترونية وخرائط سعرية وإحداثيات لجهات الولاية والحيز العمراني لكن المواطن لا يرى هذه اللغة التقنية عندما ينتظر نموذجا نهائيا أو يواجه طلب مستند جديد.

 

كذلك تظهر الأزمة في تأخر البت في طلبات سدد أصحابها مقابل التصالح دون تسلم النموذج النهائي وهو وضع يحول التصالح من باب لتقنين السكن إلى طابور إداري مفتوح بلا نهاية.

 

وهنا يخدم رأي الباحث العمراني يحيى شوكت محور العبء الاجتماعي لأنه طالب منذ 2020 بالتفرقة بين من بنى المخالفة ومن اشترى وحدة للسكن بعد أن أنفق أغلب مدخراته عليها.

 

لذلك تكشف ملفات التصالح الناقصة أن الحكومة تتعامل مع السكن كملف تحصيل لا كحق اجتماعي لأن الأسرة التي اشترت وحدة مخالفة غالبا لا تملك سلطة على مالك العقار الأصلي.

 

ومن ثم يصبح اتهام المواطنين بعدم الجدية قاسيا ومضللا لأن الدولة تعرف أن أغلب المشترين لا يملكون ملفات هندسية كاملة ولا يستطيعون وحدهم إجبار البائع أو المقاول على استكمال الأوراق.

 

تعديلات تلاحق الفشل ولا ترفع العبء

 

بعد ذلك طرحت الحكومة تعديلات جديدة على قانون التصالح في مخالفات البناء شملت مد العمل سنة إضافية والسماح بالتصالح على الجراجات بما لا يتجاوز 3 أمتار وتفويض المحافظين ورؤساء المدن.

 

كما تتضمن التعديلات المرتقبة اعتماد نموذجي 7 و8 والتصالح في المناطق المتاخمة للآثار والاكتفاء بتقرير سلامة إنشائية من مهندس نقابي في بعض الحالات وإتاحة استكمال أعمال الدور المتصالح عليه.

 

ورغم تقديم هذه البنود باعتبارها تيسيرات فإنها تكشف أن القانون السابق عجز عن حل مشكلات معروفة من البداية مثل نموذج 8 وصب السقف والتعلية وتشطيب الواجهات وتقدير قيمة المخالفة.

 

في المقابل تتحدث الحكومة عن خصم 50% لحاملي كارت تكافل وكرامة والعمالة غير المنتظمة لكنها لا تعترف بأن بقية محدودي الدخل يظلون عالقين بين رسوم فحص وسعر متر ومصروفات هندسية.

 

ويؤكد يحيى شوكت في مقترحاته لإنقاذ القانون أن خفض قيم التصالح وإطالة مدد السداد يجب أن يسبقا مطالبة الناس بالإقبال لأن المواطنين العاديين وصغار المستثمرين لا يملكون سيولة ضخمة.

 

وعلى هذا الأساس لا تبدو تعديلات قانون التصالح علاجا كاملا بل محاولة متأخرة لمنع الانهيار الإداري بعد تراكم الطلبات لأن الحكومة تعدل كل مرة بعد أن يدفع المواطن ثمن التجربة.

 

كذلك يؤدي استمرار تغيير القواعد إلى زيادة القلق بين الأسر لأن المواطن لا يعرف هل ينتظر التعديل الجديد أم يستكمل وفق القواعد الحالية أم يخشى سقوط طلبه بسبب نقص مستند.

 

جذور الأزمة في التخطيط لا في أوراق التصالح

 

إلى جانب ذلك يوضح المخطط العمراني ديفيد سيمز أن قطاعات واسعة من السكن غير الرسمي في القاهرة ظهرت بعيدا عن التخطيط الحكومي لأن الدولة وجهت مواردها إلى مدن صحراوية قليلة السكان.

 

وتكشف قراءة سيمز أن المشكلة ليست فقط في مواطن بنى دون ترخيص بل في دولة تركت الكتل السكنية الحقيقية بلا استثمار كاف ثم عادت لتحاسب سكانها عبر رسوم وغرامات.

 

ومن ناحية أخرى قال خبير التطوير الحضاري الحسين حسان إن قانون التصالح يعالج منظومة عقارية عانت من خلل منذ 2011 لكنه أشار إلى أن عدم تحديد الأحوزة العمرانية عقبة كبيرة.

 

وبذلك تصبح الأحوزة العمرانية جزءا مركزيا من الأزمة لأن الدولة التي لم تحدد حدود النمو العمراني بوضوح تضع المواطن لاحقا أمام مخالفة قد تكون نتيجة غياب التخطيط لا مجرد تعمد.

 

كما يفتح ملف الجراجات والمناطق المتاخمة للآثار بابا آخر للارتباك لأن الحكومة منعت حالات ثم عادت لطرح التصالح عليها بشروط جديدة ما يثبت أن النصوص لا تستقر.

 

في السياق نفسه أعلن ملف حكومي إنجاز 87% من طلبات التصالح بواقع 1.751 مليون طلب من إجمالي 2.007 مليون طلب لكن الرقم لا يلغي معاناة من ينتظرون النماذج النهائية.

 

لذلك لا يستطيع المواطن الوثوق في نسب الإنجاز عندما يظل نموذج 8 معطلا أو يتلقى طلب استكمال جديدا أو يدفع مقابل التصالح ثم يجد نفسه ممنوعا من استكمال سقف أو دور.

 

أخيرا يثبت تعثر قانون التصالح في مخالفات البناء أن الحكومة لا تيسر حياة المواطنين بل تدير الأزمة بالتقسيط حيث تمد المهلة وتغير الشروط وتطلب مستندات ثم تقدم كل تعديل باعتباره إنقاذًا.

 

وتتحمل حكومة السيسي مسؤولية مباشرة عن هذه المعاناة لأنها حولت ملف السكن إلى مسار طويل من الرسوم والمراسلات والنماذج بينما يحتاج المواطن قرارا واضحا يحمي بيته ولا يبتزه باسم القانون.