د. سعيد الصديقي

أستاذ للعلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس (المغرب)

 

إن تعدد الأبعاد التي تنطوي عليها الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، وتباين أهداف أطرافها المختلفة، إضافة إلى تداعياتها على نفوذ القوى الدولية والإقليمية غير المنخرطة مباشرة فيها، يجعل من الصعب استشراف مآلاتها بشكل حاسم، إذ تظل مفتوحة على عدة احتمالات.

 

لذلك، فإن طبيعة التداعيات الجيوسياسية النهائية لهذه الحرب ستتحدد أساسا وفق مآلاتها. بمعنى آخر؛ النتيجة النهائية للحرب هي التي ستمنح الطرف المنتصر سياسيا زمام المبادرة للتأثير في مرحلة ما بعد النزاع وإعادة تشكيل قواعد التفاعل الإقليمي بما يخدم مصالحه.

 

وفي هذا الإطار، تبرز سيناريوهات متعددة تنعكس بشكل مباشر على منطقة الشرق الأوسط، بين احتمال استمرار التوازنات القائمة أو إعادة تشكيل عميقة للبنية الإقليمية من خلال بناء تحالفات إقليمية جديدة.

 

الشرق الأوسط ما بعد الحرب

 

إذا افترضنا أن أطراف الحرب الرئيسية، ولا سيما الولايات المتحدة، تواجه مأزقا إستراتيجيا ولم تنجح في تحقيق أهدافها الأساسية، فمن المرجح أن يستمر الوضع القائم بعد إعلان وقف إطلاق النار.

 

ويعني ذلك، ضمنيا، الإقرار ببقاء النظام الإيراني، رغم ما تكبده من خسائر جسيمة. وفي هذه الحالة، يرجح استمرار التوازنات الإقليمية دون تحولات جذرية، بما يحد من إمكانية انفراد إسرائيل بهيمنة مطلقة على المنطقة.

 

ومن منظور إستراتيجي عربي، قد يبدو استمرار إيران خيارا أقل كلفة مقارنة بفراغ إقليمي تعيد إسرائيل من خلاله تشكيل الجغرافيا السياسية بما يخدم طموحاتها التوسعية.

 

في المقابل، إذا ترسخ الانطباع بانتصار إسرائيل وخروجها من الحرب أكثر قوة سياسيا، فمن المتوقع أن يشهد مسار التطبيع زخما جديدا يمتد إلى مجالات حيوية مؤثرة في تشكيل الرأي العام، مثل التعليم والثقافة والإعلام والرياضة، وهو ما قد يفرض تحديات عميقة على المجتمعات العربية.

 

بناء على تقدير أولي لسيناريو اتفاق إنهاء الحرب، فإن مخرجاته قد تفضي إلى تكريس موازين القوى التي كانت سائدة في الشرق الأوسط قبل اندلاعها، مع تعزيز موقع كل من إيران، وإسرائيل، وتركيا باعتبارها القوى الإقليمية الرئيسية.

 

وفي هذا السياق، من المنتظر أن يترسخ نفوذ إيران في مضيق هرمز، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها مع كل من الصين، وروسيا، بما يدعم موقعها في التوازنات الإقليمية والدولية.

 

أما تركيا، فرغم أنها المستفيد الأكبر من انهيار نظام بشار الأسد في سوريا في 8 ديسمبر 2024، فإن صعودها كقوة إقليمية مؤثرة في معادلة الشرق الأوسط يظل رهينا بقدرتها على تحقيق نفوذ ملموس داخل بعض دول المنطقة، وتعزيز حضورها العسكري عبر إنشاء قواعد إستراتيجية كبرى، بما يتيح لها التأثير الفعلي في معادلات القوة الإقليمية.

 

ورغم التنوع الكبير لدول الشرق الأوسط من حيث التاريخ والحجم والقدرات، فإن المنطقة ستظل تخضع لتأثير ثلاث قوى رئيسية: تركيا، وإيران، وإسرائيل، ما يجعل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط أقرب إلى نظام "ثلاثي الأقطاب".

 

لذلك يمكن القول إن التطورات الأخيرة سواء في سوريا أو تداعيات حرب 2026، لم تغير جوهريا بنية النظام الإقليمي، إذ تظل القوى الثلاث محافظة على مواقعها، رغم تزايد نفوذ تركيا، وتراجع إيران نسبيا.

 

في المقابل، تسعى إسرائيل باستمرار إلى منع أي قوة إقليمية منافسة من الصعود، وهو ما يفسر حربها على إيران مع أمريكا، وتدخلاتها المتكررة لضرب القدرات العسكرية الموروثة عن النظام السوري.

 

التحالف في الشرق الأوسط ضرورة وجودية

 

يقدم ستيفن والت في كاتبه "أصول التحالفات" (The Origins of Alliances) نظرية منهجية حول أسباب تشكيل الدول للتحالفات التي تستجيب حالة العالم العربي، ولا سيما في الشرق الأوسط، لأهم محدداتها.

 

يرى والت أن التحالفات تكون غالبا دفاعية وليست هجومية، حيث تتحد الدول لحماية نفسها ضد تهديدات محتملة، وليس لتوسيع نفوذها. وتتحدد التحالفات أساسا بمستوى التهديد الخارجي وليس بالأيديولوجيا أو نوع النظام أو المصالح الاقتصادية.

 

وتميل الدول إلى اختيار التحالفات بهدف موازنة القوى المهدِّدة، بدلا من الانضمام إلى القوى الأقوى، إلا في ظروف محدودة. علاوة على ذلك، تتسم التحالفات بدرجة عالية من المرونة، إذ تتغير أنماطها تبعا لتحول مصادر التهديد وطبيعته.

 

وفي ضوء هذا الإطار النظري، فإن التهديدات التي باتت تدركها جل دول المنطقة لأمنها واستقرارها يفترض أن تدفعها نحو التحالف، لا سيما في ظل صعود قوة إسرائيل وتغولها، واعتمادها على القوة العسكرية المفرطة، وطموحاتها التي تتجاوز جغرافيّة فلسطين التاريخية، إلى جانب تهديداتها المتكررة للدول العربية المجاورة لفلسطين.

 

بالإضافة إلى هدف احتواء إسرائيل وطموحاتها، فإن هذا التحالف سيشكل ردعا لأي طموحات إيرانية في توسيع نفوذها في المستقبل.

 

وتشمل الدول الأكثر ارتباطا بهذا التصور دولا ذات ثقل إستراتيجي في مواجهة إسرائيل، مثل مصر، وتركيا، والسعودية، بحكم موقعها الجغرافي، وحجمها الديمغرافي، وقوتها الاقتصادية والعسكرية، إضافة إلى مركزيتها في المنظومة الإقليمية.

 

وإلى جانبها، يمكن أن تنضم دول أصغر حجما لكنها مؤثرة، نظرا لتقاطع مواقفها مع هذا التوجه، ولما تمتلكه من قدرات مالية وأدوات قوة ناعمة يمكن أن تعزز تماسك هذا التحالف.

 

وقد يتجاوز هذا التحالف الإطار الشرق أوسطي التقليدي ليشمل أطرافا مثل باكستان، دون أن يفضي ذلك بالضرورة إلى استثارة قوى إقليمية أخرى كالهند، خاصة أن مصالح الأخيرة مع دول الشرق الأوسط ذات طابع اقتصادي بالأساس، كما أن أي تقارب مع باكستان ينبغي ألا يفهم بوصفه موجها ضد الهند.

 

رغم أهمية هذا النمط من التحالفات، التي قد ترقى أحيانا إلى مستوى الضرورة الوجودية بالنسبة للدول التي تشعر بأنها مهددة بسيناريوهات شبيهة بإيران، أو السودان، فإن فرص نجاحها تظل غير مضمونة. لذلك، يبقى خيار الاعتماد على الذات وتعزيز القدرات الوطنية الخيار الأكثر أمانا واستدامة.

 

وتعد تجربة إيران دليلا بليغا في هذا الصدد، إذ لم يكن لها أن تصمد في مواجهة قوى عسكرية كبرى لولا استعدادها المسبق بإمكاناتها الذاتية، في ظل غياب دعم عسكري ولوجيستي فعال من الحلفاء خلال فترة الحرب.

 

خلاصة القول، لقد أكدت هذه الحرب مرة أخرى تراجعا واضحا في مركزية النظام الإقليمي العربي، لصالح ترسيخ أدوار قوى إقليمية غير عربية، في ظل غياب مشروع عربي جامع قادر على إعادة بناء التوازن الإقليمي أو صياغة قواعده.

 

كما أن التحولات في النظام الدولي، رغم ما تحمله من مؤشرات على تراجع الأحادية القطبية، لم تترجم إلى تغييرات حاسمة في بنية النفوذ داخل الشرق الأوسط، الذي لا يزال يخضع بدرجة كبيرة لتأثير الولايات المتحدة.

 

وعليه، فإن مستقبل العالم العربي سيظل رهينا بقدرته على التحول من فضاء متلق للتغيرات الجيوسياسية إلى فاعل قادر على التأثير في مساراتها، واستعادة زمام المبادرة عبر بناء مشاريع إقليمية أو إقليمية فرعية؛ وإلا فإنه سيبقى خاضعا لتفاعلات التنافس الدولي والإقليمي التي لا تراعي في مجملها مصالحه الإستراتيجية.