كشفت مصادر اقتصادية أن حكومة الانقلاب في مصر تسعى لتدبير تمويلات تصل إلى نحو 1.4 مليار دولار، تشمل قرضا من بنوك خليجية وتمويلا إسلاميا، بهدف دعم واردات السلع الغذائية وتعزيز المخزون الاستراتيجي في ظل ضغوط عالمية متزايدة على أسواق الغذاء.

 

وتفضح هذه التحركات اعتماد الحكومة على الاستدانة لتوفير احتياجات أساسية مثل القمح والذرة، بينما تبتلع الديون المحلية والخارجية وفوائدها نحو 64% من الميزانية، بما يحول الأمن الغذائي من حق مستقر للمواطنين إلى ملف ممول بالقروض والضمانات الخارجية.

 

1.4 مليار دولار لشراء الغذاء وسط ضغط الأسواق العالمية

 

ويأتي تحرك الحكومة لتدبير تمويلات بقيمة تصل إلى 1.4 مليار دولار، في وقت تتواصل فيه الضغوط على أسواق الغذاء عالميا بفعل التوترات الإقليمية، وهو ما يعيد ملف واردات السلع الأساسية إلى واجهة أزمة النقد الأجنبي والديون.

 

وبحسب مسؤولين تحدثوا إلى الشرق بلومبيرج، تسعى الهيئة العامة للسلع التموينية التابعة لوزارة التموين إلى اقتراض ما يصل إلى 700 مليون دولار من بنوك خليجية، لتغطية احتياجات استيراد سلع غذائية أساسية تدخل مباشرة في منظومة الخبز والغذاء.

 

وذكر مصدر مطلع أن القرض المرتقب سيمنح عبر تحالف يضم بنك أبوظبي الأول وبنك الإمارات دبي الوطني والمؤسسة العربية المصرفية، مع توقع إتمامه خلال الربع الثالث من العام الجاري بضمانة من وزارة المالية المصرية.

 

وبذلك لا يظهر القرض كتمويل عادي، بل كدليل على أن الهيئة المسؤولة عن السلع التموينية تحتاج إلى ضمانة سيادية من وزارة المالية حتى تحصل على السيولة اللازمة لاستيراد القمح والذرة، وهما سلعتان ترتبطان مباشرة برغيف الخبز والأعلاف والأسعار.

 

في هذا المحور يخدم رأي ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، سؤال الاعتماد على الاستيراد، إذ سبق أن وصف الوضع الاقتصادي بأنه بالغ الصعوبة بسبب العجز التجاري المزمن وتزايد الدين الخارجي والداخلي الحكومي بلا سقف.

 

لذلك يشرح رأي الولي لماذا يصبح تمويل الغذاء بالقروض خطرا لا تفصيلا ماليا، لأن الدولة التي تعاني عجزا تجاريا مزمنا تحتاج إلى دولار دائم للاستيراد، فإذا عجزت عن إنتاج ما يكفي من الغذاء لجأت إلى قروض جديدة تحفظ المخزون اليوم وتزيد الالتزام غدا.

 

الاقتراض من أجل الغذاء والاستهلاك يعمق أزمة الديون

 

بالتوازي مع قرض البنوك الخليجية، كشف مسؤول حكومي أن مصر تسعى لترتيب تمويل إسلامي بقيمة 700 مليون دولار عبر تفعيل بروتوكول مع المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة التابعة للبنك الإسلامي للتنمية، على أن يخصص أيضا لشراء السلع الغذائية.

 

ويعني ذلك أن الحكومة لا تبحث عن قرض واحد لسد فجوة مؤقتة، بل تتحرك في مسارين متزامنين لتمويل الغذاء، الأول من تحالف بنوك خليجية بضمانة وزارة المالية، والثاني عبر مؤسسة تمويل إسلامي، بما يرفع إجمالي التمويلات المستهدفة إلى 1.4 مليار دولار.

 

وعلى الرغم من تقديم التمويل باعتباره دعما للمخزون الاستراتيجي، فإن جوهر المشكلة يبقى قائما، لأن الدولة تمول الاستهلاك الأساسي بالاقتراض في وقت تتصاعد فيه كلفة خدمة الدين، وهو ما يضغط على قدرة الموازنة على تمويل الزراعة والصناعة والخدمات.

 

في هذا الموضع يخدم رأي إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، فكرة تعميق أزمة الديون، إذ قال إن موازنة مصر تتلخص في ديون متصاعدة تلتهم الموازنة ودعم يتآكل وأعباء تتراكم على الفقراء والطبقة الوسطى، و بهذا فإن البيئة المالية  تجعل قرض الغذاء جزءا من أزمة أكبر، حيث تتحول الموازنة إلى آلة لسداد الديون بينما يظل الدعم والغذاء مرهونين بتمويل جديد.

 

كما تكشف أرقام الموازنة عن تناقض صارخ، فالحكومة تطلب تمويلا خارجيا لشراء السلع الغذائية، بينما يوجه البيان التحليلي لموازنة 2026-2027 نحو 64% من الاستخدامات إلى سداد القروض والفوائد، أي أن الدين القديم يزاحم الغذاء قبل أن يمول الدين الجديد وارداته.

 

مخزون 6 أشهر لا يخفي مأزق القمح والديون

 

وتقول الحكومة إن الاحتياطي الاستراتيجي الحالي من السلع الأساسية يكفي الاستهلاك لنحو 6 أشهر، كما تستهدف جمع نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال موسم الشراء الحالي، وفق تصريحات وزير التموين شريف فاروق عن أرصدة القمح والأرز والسكر والزيت.

 

غير أن هذه التصريحات المطمئنة لا تلغي هشاشة الهيكل الغذائي، لأن مصر تعد من أكبر مستوردي القمح في العالم، وتجاوز استهلاكها 20 مليون طن خلال موسم 2023-2024، بما يمثل نحو 2.6% من الاستهلاك العالمي وفق بيانات وزارة الزراعة الأميركية.

 

وبسبب هذه الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي، تصبح أي أزمة في الأسواق العالمية أو سلاسل الشحن أو التمويل الدولاري تهديدا مباشرا لمنظومة الخبز والغذاء، خصوصا أن الحكومة تحتاج إلى الاستيراد حتى مع إعلانها مستويات مطمئنة من المخزون.

 

في هذا السياق يبرز الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أهمية محور المخزون والاعتماد الخارجي، إذ حذر في مداخلات اقتصادية من أن الاعتماد على الاستيراد يربط الأسعار المحلية بتحركات السوق العالمية وسعر الصرف، خاصة في السلع الاستراتيجية، مشيرًا  إلى أن مخزون 6 أشهر يمنح الحكومة هامشا زمنيا محدودا، لكنه لا يحل أصل الأزمة إذا ظل القمح مستوردا بكميات ضخمة، وظلت الفاتورة مرتبطة بالدولار والقروض وأسعار الشحن والتوترات الإقليمية.

 

وفوق ذلك، يضع استهداف جمع 5 ملايين طن من القمح المحلي سؤال الإنتاج الزراعي في صدارة المشهد، لأن الحكومة لا تستطيع تقليل قروض الغذاء من دون رفع حقيقي لإنتاج القمح وتحسين سعر التوريد للفلاح وضمان مستلزمات الزراعة والطاقة والري.

 

في النهاية تكشف خطة اقتراض 1.4 مليار دولار للغذاء أن الحكومة لا تواجه أزمة طارئة فقط، بل تدير الأمن الغذائي بمنطق التمويل المؤجل، فالقرض يوفر شحنة اليوم لكنه يضيف التزاما جديدا إلى موازنة يبتلع الدين معظم استخداماتها.

 

وفي النهاية فإن الواقع يؤكد أن حماية رغيف الخبز لا تتحقق بالاقتراض المتكرر، بل بسياسة إنتاجية تعيد الاعتبار للفلاح والزراعة المحلية وتقلل فجوة الاستيراد، لأن دولة تستهلك أكثر من 20 مليون طن قمح لا تستطيع أن تبقى رهينة البنوك والضمانات كلما اهتزت أسواق الغذاء.