أعلن محافظ البنك المركزي، حسن عبد الله، وصول صافي الاحتياطيات الدولية لمصر إلى 52.6 مليار دولار بنهاية يناير 2026، في ما وصفه بأنه أعلى مستوى في التاريخ، مع تغطية لواردات سلعية تعادل نحو 6.9 أشهر، وهو رقم يتجاوز بوضوح الحد الآمن المتعارف عليه دوليًا عند 3 أشهر، ويمنح – على الورق – صورة لنظام نقدي يمتلك قدرة على سداد التزامات الاستيراد وخدمة الدين ودعم استقرار سعر الصرف، لكن خلف هذه الأرقام يدور جدل واسع حول مصدر هذه الاحتياطيات وتركيبتها، ومدى انعكاسها الفعلي على معيشة المصريين في ظل تضخم مرتفع وديون خارجية ومحلية متصاعدة.

 

احتياطي تاريخي أم “ماكياج” نقدي لاقتصاد مأزوم؟

 

من حيث القواعد الفنية، تغطية واردات لأكثر من 3 أشهر تعد مؤشرًا مريحًا للاستقرار النقدي، ما يجعل رقم 6.9 أشهر ظاهريًا إنجازًا، ويعني قدرة أفضل على تمويل الاستيراد وسداد التزامات قصيرة الأجل، لكن السؤال الذي يطرحه اقتصاديون ومعارضون لنظام عبد الفتاح السيسي هو: هل يعكس هذا الرقم نجاحًا اقتصاديًا شاملاً، أم أنه نتيجة تدفقات استثنائية وصفقات أصول وودائع خارجية قابلة للسحب في أي لحظة، بما يجعل الاحتياطي “قشرة أمان” تغطي هشاشة هيكلية في الإنتاج والنمو وفرص العمل، خاصة مع تقديرات صحفية تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الاحتياطي في فترات سابقة كان مكوَّنًا من ودائع خليجية وقروض قصيرة الأجل أكثر منه ناتجًا عن فوائض تجارية مستدامة.

 

رأي هاني جنينة: تحسن في التدفقات.. لكن الصورة الكلية ناقصة

 

الخبير الاقتصادي الدكتور هاني جنينة يرى في أحاديثه الإعلامية أن ارتفاع الاحتياطي “يعكس تحسن تدفقات النقد الأجنبي من صادرات وتحويلات واستثمارات”، ويعزز ثقة الأسواق في قدرة الدولة على إدارة التزاماتها الخارجية وامتصاص الصدمات، وهو من زاوية استقرار الجنيه وسيولة العملة الصعبة عنصر إيجابي لا يمكن إنكاره، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن المؤشرات النقدية وحدها لا تكفي للحكم على الأداء الاقتصادي الكلي، لأن الصورة الحقيقية ترتبط بمعدلات النمو الحقيقي في القطاعات الإنتاجية، وبحجم الاستثمار الخاص، وبقدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل ذات دخل لائق، وهي مؤشرات ما زالت متأثرة بتداعيات التحرير المتكرر لسعر الصرف وتآكل القوة الشرائية للأجور.

 

في هذا السياق، يشير جنينة إلى أن جزءًا معتبرًا من سيولة البنوك وُجِّه لتمويل عجز الموازنة عبر شراء أدوات دين حكومية بعوائد مرتفعة، بدل تمويل استثمارات إنتاجية، ما يعني أن جزءًا من صعود الاحتياطي يرتبط بتوسع الدولة في الاقتراض الداخلي والخارجي، وليس بطفرة في الصادرات أو الصناعة، وهو ما يحد من قدرة هذا الاحتياطي على حماية الاقتصاد على المدى الطويل إذا لم يترافق مع تغيير حقيقي في نموذج النمو القائم حاليًا.

 

فخري الفقي: “صمام أمان”.. ومعارضون يتهمون السلطة بإخفاء كلفة الأمان

 

من جانبه، يقدّم الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، قراءة متفائلة؛ إذ يرى أن الاحتياطي القوي “صمام أمان للاقتصاد المصري في مواجهة الأزمات الخارجية”، ويتحدث عن توقعات بوصوله إلى ما بين 60 و65 مليار دولار بنهاية برنامج الإصلاح في أكتوبر 2026، معتبرًا أن الزيادة الحالية تؤدي إلى تحسين قدرة الدولة على استيراد السلع الاستراتيجية وتأمين السوق المحلي في وجه صدمات أسعار الغذاء والطاقة عالميًا، وهو خطاب يتسق مع ما تروّجه الحكومة عن “عودة الثقة” في الاقتصاد بعد تدفقات استثمارية وصفقات مثل رأس الحكمة وغيرها.

 

لكن اقتصاديين مستقلين يشيرون إلى أن هذا “الأمان” له ثمن يدفعه المجتمع عبر بيع أصول عامة وصفقات ضخمة مع مستثمرين أجانب، وتحمّل أعباء خدمة دين متزايد، حيث تؤكد بيانات سابقة أن خدمة الدين تستحوذ على نسبة كبيرة من إيرادات الموازنة، وأن جزءًا من الاحتياطي يقوم على ودائع مرتهنة بشروط سياسية واقتصادية، ما يجعل الحديث عن مستوى قياسي للرصيد دون مناقشة مصدره وطبيعة الالتزامات المقابلة له طرحًا منقوصًا، خاصة في ظل استمرار العجز التجاري وغياب قفزة حقيقية في الصادرات السلعية ذات القيمة المضافة.

 

مدحت نافع: احتياطي مهم للاستقرار.. لكن المواطن لا يأكل أرقامًا

 

الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، يقر بأن ارتفاع الاحتياطي إلى مستويات تاريخية “خبر مهم” لأنه يزيد قدرة البنك المركزي على امتصاص الصدمات الخارجية، من أزمات وباء وحروب وطاقة، ويوفّر سيولة دولارية لسداد الالتزامات العاجلة، لكنه يوضح بوضوح أن هذا لا يعني تحسنًا فوريًا في مستوى الأسعار أو الدخول، فالمواطن لا يشتري طعامه ببيان صحفي عن الاحتياطي، بل بما في جيبه من دخل حقيقي يتآكل مع كل موجة تضخم جديدة تضرب السوق.

 

نافع يشير في تحليلات أخرى إلى أن جزءًا من ارتفاع الاحتياطي في السنوات الأخيرة ارتبط بصفقات بيع أصول مثل مشروع رأس الحكمة وتحويلات من هيئات حكومية لصالح البنك المركزي، وهي مصادر لا يمكن تكرارها سنويًا، ما يعني أن الحفاظ على مستوى مرتفع للاحتياطي يتطلب تغييرًا في بنية الاقتصاد، وليس فقط البحث عن صفقات استثنائية أو قروض جديدة، وهو ما يطرح، في رأي منتقدين للنظام، سؤالًا عن مدى قدرة سياسات عبد الفتاح السيسي على إنتاج احتياطي مستدام لا يقوم على بيع أصول أو استدانة متواصلة.

 

استقرار نقدي على الورق.. ومعيشة تحت ضغط التضخم والديون

 

اقتصاديًا، يمنح مستوى 52.6 مليار دولار للبنك المركزي مساحة أوسع للمناورة في سوق الصرف، ويقلل احتمالات الصدمات الحادة في سعر الجنيه، ما قد يحد تدريجيًا من التضخم المستورد إذا استُخدم الاحتياطي بحكمة ولم يُهدر في تثبيت مصطنع لسعر الصرف قبل كل مراجعة لصندوق النقد أو استحقاق سياسي، كما يعزز الرقم ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية في قدرة الدولة على سداد التزاماتها، وهو عنصر مهم في بلد يعتمد على الاقتراض الخارجي وتمويلات الصندوق لتمرير برامج “الإصلاح”.

 

مع ذلك، يؤكد محللون أن حياة المواطن العادي لن تتغير برقم واحد مهما كان قياسيًا، وأن نجاح الاقتصاد لا يُقاس بحجم الاحتياطي وحده، بل بمنظومة مؤشرات تشمل نموًا إنتاجيًا حقيقيًا، وزيادة في فرص العمل الجيدة، وتحسنًا في الدخول الحقيقية، وسياسات اجتماعية تخفف آثار التضخم والضرائب غير المباشرة، وفي ظل استمرار ارتفاع الأسعار، وتآكل الأجور، وتوسع الدولة في أدوات الدين، يبقى الخطر أن يتحول “الاحتياطي التاريخي” إلى مجرد عنوان في نشرات الأخبار، بينما يظل المواطن محاصرًا بين كلفة الديون وسياسات حكومة يراها كثيرون مسؤولة عن نقل عبء الاستقرار النقدي إلى كتفه هو بالضرائب ورفع الدعم وترك السوق يغلي دون حماية حقيقية.