كشفت تقارير دولية وحقوقية في مصر عن استمرار القيود على حرية الصحافة والعمل الإعلامي خلال 2025 و2026، ووضعت منظمة مراسلون بلا حدود مصر في المرتبة 170 من أصل 180 دولة، بما يؤكد تراجع مساحة الإعلام المستقل.

 

تضع هذه المؤشرات الصحفيين أمام سلطة تستخدم القانون والملكية والإدارة لتقليص النشر الحر، بينما تتحول الوعود الرسمية عن التطوير الإعلامي إلى واجهة لا تغيّر واقع الحبس والحجب والرقابة.

 

قوانين الإعلام تحاصر النشر بدل تنظيمه

 

بحسب تقارير حقوقية، تستخدم السلطات المصرية قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في قضايا نشر وتعبير، وتربط اتهامات مثل نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل بملفات صحفية وسياسية، وهو ما يحول القانون من أداة تنظيم إلى وسيلة عقاب مهني مباشر.

 

وفي هذا المسار، تؤكد الحكومة أن قوانين تنظيم الإعلام ووسائل التواصل تهدف إلى ضبط الأداء المهني ومواجهة الأخبار المضللة، لكن التطبيق العملي يضع الصحفي تحت تهديد دائم، لأن صياغات الاتهام الواسعة تسمح بملاحقة المحتوى النقدي بدل محاسبة الأخطاء المهنية عبر مسارات نقابية واضحة.

 

كما ربطت منظمات حقوقية بين قوانين الإرهاب وتوسيع القيود على الصحافة، إذ قالت هيومن رايتس ووتش إن قانون مكافحة الإرهاب يجرم نشر أخبار عن الإرهاب إذا خالفت البيانات الرسمية، وهو نص يفرض على الصحفي اعتماد رواية السلطة حتى في الملفات العامة الحساسة.

 

لذلك تصبح الرقابة القانونية أكثر خطورة من المنع المباشر، لأن الصحفي لا ينتظر قرار حجب فقط، بل يكتب وهو يحسب احتمالات الاستدعاء والتحقيق والحبس الاحتياطي، وتدفع المؤسسات الصحفية كلفة هذا الخوف عبر تقليل الملفات السياسية والاكتفاء بتغطيات آمنة.

 

وفي السياق نفسه، قال المحامي الحقوقي جمال عيد في تعليق سابق على مراقبة مستخدمي التواصل إن المشكلة تكمن في أن النيابة لا توضح دائما طبيعة الأخبار الكاذبة في الاتهامات، وهو اعتراض يكشف خللا أساسيا في معيار التجريم ويفتح باب الملاحقة الواسعة.

 

هيمنة الملكية تضيق المجال أمام الإعلام المستقل

 

بعد ذلك تظهر أزمة الملكية باعتبارها وجها آخر للسيطرة، إذ تحدثت مراسلون بلا حدود عن إعادة تشكيل المشهد الإعلامي المصري عبر نقل الملكيات وتدخل أجهزة الأمن والمخابرات، بما جعل السوق الإعلامية خاضعة لشبكة نفوذ سياسي واقتصادي مرتبطة بالدولة.

 

وبالتوازي، تشير تقارير مراقبة ملكية الإعلام إلى أن القطاع الإلكتروني يهيمن عليه ملاك مرتبطون بوسائل تقليدية أو مصالح اقتصادية، بينما تبقى المنصات المستقلة محدودة العدد والتأثير، وهو وضع يقلص التعدد ويمنع الجمهور من الوصول إلى روايات مهنية خارج الإطار الرسمي.

 

ثم جاءت تغييرات إدارية وتعيينات في القطاع الإعلامي لتمنح السلطة فرصة تسويق خطاب جديد عن التطوير والانفتاح، لكن هذه التغييرات لم تفتح المجال العام، لأن المشكلة لا تتعلق بأسماء المسؤولين فقط، بل بمنظومة ملكية وتشريعات ورقابة تسبق أي قرار تحريري.

 

وبناء على ذلك، لم تؤد إعادة تنظيم بعض المؤسسات الإعلامية إلى توسع حقيقي في حرية التعبير، لأن الصحفيين يتعاملون مع خطوط تحريرية مقيدة، وتتعامل إدارات مؤسسات كثيرة مع النقد السياسي باعتباره مخاطرة قانونية ومالية لا موضوعا صحفيا قابلا للنشر.

 

كما قال الصحفي المصري المنفي مصطفى الأعصر للجنة حماية الصحفيين إن الإعلام المصري يخضع لسيطرة أمنية مشددة، وإن الصحفيين الذين يبتعدون عن الرواية الرسمية يواجهون عقوبات حتى إذا عملوا داخل مؤسسات مملوكة لجهات أمنية.

 

الصحفيون بين الحبس والرقابة وتزيين الصورة

 

في المقابل، تكشف أرقام الحبس أن أزمة الصحافة لا تقف عند حدود التحرير، إذ دعا الاتحاد الدولي للصحفيين في يونيو 2025 إلى الإفراج عن 22 صحفيا مسجونا في مصر، وأشار نقيب الصحفيين خالد البلشي إلى أن أكثر من 15 منهم تجاوزوا عامين في الحبس الاحتياطي.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح الحبس الاحتياطي أداة ضغط على المهنة كلها، لأن الصحفي المسجون لا يعاقب وحده، بل تتلقى غرف الأخبار رسالة واضحة عن حدود المسموح، ويتحول الخوف إلى سياسة تحريرية غير مكتوبة داخل مؤسسات تبحث عن النجاة لا عن الحقيقة.

 

كما دعت نقابة الصحفيين في فبراير 2026 إلى الإفراج عن 15 صحفيا، وقال البلشي إن استمرار حبسهم تجاوز الحدود التي يقررها قانون الإجراءات الجنائية والدستور المصري، بما يجعل السلطة مسؤولة عن انتهاك قانونها قبل أي معيار دولي.

 

وبسبب هذه البيئة، تتراجع قدرة الصحفيين على الوصول إلى المعلومات وتغطية الملفات الحساسة، وتلجأ مؤسسات إعلامية إلى الحذر المسبق في الصياغة والعناوين والمصادر، بينما يدفع القارئ ثمن هذا الانكماش عبر محتوى ناقص لا يواجه أسئلة السياسة والاقتصاد والحقوق.

 

كذلك تواصل منظمات دولية ربط صورة مصر الخارجية بملف حرية الصحافة، إذ تقول فريدوم هاوس إن الحريات المدنية وحرية الصحافة والتجمع مقيدة بشدة، وتؤكد مراسلون بلا حدود أن مصر لا تزال من أكبر سجاني الصحفيين رغم الإفراجات المحدودة.

 

ومن ثم لا تكفي التعيينات الجديدة ولا بيانات التنظيم المهني لتغيير المشهد، لأن الحكومة ترفض معالجة أصل الأزمة، وتبقي الصحافة تحت ضغط الحبس والقانون والملكية، وتطلب من الخارج تصديق صورة انفتاح لا يراها الصحفيون في غرف الأخبار ولا في ساحات التحقيق.

 

وفي الخاتمة، تكشف وقائع 2025 و2026 أن السلطة المصرية لا تدير إعلاما عاما بل تضبط مجالا سياسيا مغلقا، وتستخدم القانون والملكية والحبس لتحديد ما ينشر وما يحذف، ولذلك تصبح حرية الصحافة في مصر اختبارا مباشرا لحقيقة الحكم لا لشكل المؤسسات.