قالت الدكتورة عالية المهدي إن السوق العقارية في مصر دخلت مرحلة فقاعة فعلية بعدما أصبح بيع العقار مرة أخرى صعبا إلا في حالات محدودة وبشروط استثنائية.
تضع هذه الشهادة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن سوق تضخمت أسعارها بفعل الائتمان والتوسع العمراني والمضاربة بينما بقي المواطن عاجزا عن تحويل عقاره إلى سيولة عند الحاجة.
إعادة البيع تكشف فقاعة العقار لا قوة السوق
في البداية نسبت الدكتورة عالية المهدي عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق التحذير إلى مسار طويل بدأته منذ 2015 عندما قالت إنها حذرت مبكرا من دخول مصر إلى فقاعة عقارية ثم أكدت أن السوق دخلت هذه المرحلة خلال آخر 3 أو 4 سنوات.
وبعد ذلك أوضحت عالية المهدي أن جوهر الأزمة يظهر عند إعادة البيع لأن مالك العقار الذي يريد تحويل وحدته إلى مال نقدي لا يجد مشتريا بسهولة إلا إذا كان العقار يمتلك مزايا كبيرة وغير معتادة تميزه عن المعروض الواسع في السوق.
ثم ربطت عالية المهدي صعوبة البيع بمنافسة غير متكافئة بين الفرد والمطور العقاري لأن المطور يستطيع تقسيط سعر الوحدة على 10 سنوات أو 15 سنة بينما يطلب الفرد عند البيع تحصيل الثمن نقدا أو خلال مدة قصيرة لا تناسب أغلب المشترين.
وبسبب هذا الفارق يتحول العقار من أصل يظنه المشتري آمنا إلى سيولة معطلة لأن المالك لا يستطيع بيعه عند الحاجة بالسعر الذي يتخيله ولا يستطيع منافسة عروض الشركات التي تستخدم التقسيط الطويل لإخفاء ضعف القدرة الشرائية الحقيقية داخل السوق.
وفي السياق نفسه قال الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام إن احتمالات الفقاعة العقارية قوية بسبب تآكل القدرة الشرائية وارتفاع التضخم وتوجيه أغلب الدخول إلى الغذاء والسكن والعلاج وهذا الرأي يفسر لماذا لم تعد أسعار العقارات مناسبة لعموم المشترين.
التقسيط الطويل يصنع سعرا مرتفعا ويخفي ركود الطلب
وبعد اتساع الفجوة بين الفرد والمطور العقاري أصبح التقسيط الطويل أداة مركزية في استمرار الأسعار المرتفعة لأن الشركة تبيع وحدة بسعر كبير لكنها توزع العبء على سنوات طويلة بينما لا يستطيع البائع الفرد استخدام الأداة نفسها عند إعادة البيع.
لذلك تبدو الأسعار المعلنة في السوق أقل تعبيرا عن طلب حقيقي وأكثر ارتباطا بنظام سداد مؤجل يسمح للمطورين بتثبيت أسعار مرتفعة على الورق رغم أن القدرة النقدية للمشتري لا تسمح بشراء الوحدة نفسها عند طرحها للبيع من مالك عادي.
وفي هذا السياق حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من تباطؤ حاد في نمو الطلب على العقارات بعدما تراجع من نحو 125% في 2024 إلى 10% فقط في 2025 مع توقعات بمزيد من الركود خلال العام الجاري.
ثم يوضح هذا التباطؤ أن السوق لا تتحرك بقوة طلب واسعة كما تقول رواية المطورين والحكومة لأن انخفاض نمو الطلب بهذا الشكل يعني أن شريحة المشترين تتقلص وأن الأسعار أصبحت تخاطب فئات محدودة بينما تبقى غالبية الأسر خارج القدرة الفعلية على الشراء.
كما تكشف هذه المؤشرات أن الحكومة غذت الأزمة عندما دفعت قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى العقار عبر مشروعات ومدن جديدة وأراض مرتفعة السعر ورسوم متزايدة ثم تركت السوق أمام مطورين يحددون الإيقاع بينما يتحمل المشتري والمستثمر الصغير مخاطر السيولة.
السيولة خارج العقار تصبح ملاذا ضد سوق متضخم
بعد ذلك تذهب عالية المهدي إلى نتيجة مباشرة حين تقول إن الأموال الموضوعة في أي عقار تصبح سيولة معطلة لأن صاحبها لا يستطيع تسييلها بسهولة عند الحاجة وهذا الحكم يضرب فكرة شائعة صورت العقار باعتباره مخزن قيمة مضمون في كل الظروف.
وبناء على هذه النتيجة ترى عالية المهدي أن الاحتفاظ بالسيولة في ودائع أو ذهب أو فضة أو عملات حرة قوية أو حتى لوحات فنية أصلية أو سجاد قيم أفضل كثيرا من شراء عقارات لا يستطيع صاحبها بيعها بسرعة وبسعر عادل.
وفي المقابل لا يعني هذا التحذير أن شراء السكن للاستخدام الشخصي يحمل الخطر نفسه لأن عالية المهدي فرقت بين من يشتري للسكن ومن يشتري للاستثمار وإعادة البيع حيث يصبح الخطر الأكبر على من راهن على العقار كأداة ربح وسيولة معا.
ثم يكتمل المشهد عندما تتضخم الأسعار بفعل المضاربة وتسهيلات السداد وزيادة المعروض في مناطق محددة لأن السوق التي لا يستطيع فيها المالك الصغير بيع وحدته بسهولة لا يمكن وصفها بسوق صحية حتى لو ظلت الإعلانات العقارية تملأ الشوارع والشاشات.
وفي النهاية تكشف شهادة عالية المهدي وآراء مصطفى عبد السلام وهاني توفيق أن الفقاعة العقارية في مصر ليست شائعة عابرة بل نتيجة سياسات حكومية تركت الأسعار تتضخم والسيولة تنحبس وإعادة البيع تتعطل ثم طالبت الناس بتصديق أن السوق بخير.

