لم ينجح مقال عمار علي حسن عن ما سماه مسار التمكين في فرض رواية جديدة على ذاكرة قطاع واسع من المصريين الذين عايشوا سنة حكم الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي وتابعوا ما جرى قبلها وبعدها من داخل الشارع لا من داخل مكاتب الأجهزة ولا من وراء شاشات المذيعين المرتبطين بخطاب السلطة، لأن موجة التعليقات التي لاحقت مقاله كشفت بسرعة أن الاتهام القديم عن الأخونة والتمكين لم يعد يعمل بذات الكفاءة حتى بين خصوم الإخوان، وأن أزمة المقال لم تكن فقط في موقفه السياسي بل في اعتماده على سردية تعيد إنتاج خطاب أمني قديم في لحظة يعرف فيها الناس من صادر السياسة ومن أغلق المجال العام ومن حوّل الدولة إلى ساحة يحكمها الخوف لا التنافس ولا المحاسبة.

 

المفارقة أن المقال نُشر في العام الثاني عشر بعد انقلاب يوليو 2013 وفي وقت صار فيه الفرق واضحًا بين سنة سياسية مفتوحة بكل ما فيها من صراع وخطأ وبين سنوات لاحقة أُغلقت فيها الساحة بالكامل، ولذلك جاء رد المتابعين أقسى من مجرد اختلاف فكري لأنهم ردوا بوقائع عاشوها بأنفسهم تتعلق بحرية التظاهر والانتخابات والتحالفات الحزبية والخدمات الاجتماعية وملف شركة سلسبيل وطريقة توظيفه أمنيًا وإعلاميًا منذ 1992 ثم إعادة تدويره في يناير 2026 عبر أحمد موسى ثم في أعمال درامية خلال رمضان 2026، وبدا الاعتراض الأساسي واضحًا وهو أن كاتبًا يقدم نفسه بوصفه باحثًا لا يملك حق استعارة محاضر الأجهزة ثم تقديمها باعتبارها تاريخًا موثقًا أو علمًا محايدًا.

 

تعليقات تهدم رواية الأخونة وتستدعي ذاكرة السنة السياسية الوحيدة

 

لكن موجة الردود بدأت من نقطة مباشرة حين اتهم معلقون عمار علي حسن بأنه كتب كما لو أن المصريين لا يتذكرون الوقائع التي جرت بين 2012 و2013، إذ قال حراز حراز إن الكاتب يتعامل مع الناس كأنهم يملكون ذاكرة السمك، ثم أيده هيثم الناجي بقوله إن مؤسسات الدولة كلها كانت ضد الإخوان وإن حديث الأخونة لم يكن إلا شعارًا إعلاميًا بلا سند واقعي.

 

ثم وسع حسن حسن هذا الاعتراض حين كتب أن من عايش تلك المرحلة لم ير استحواذًا على الدولة بل رأى سقفًا مرتفعًا للحرية ومجالًا مفتوحًا للاعتراض والتظاهر حتى من قوى محسوبة على التيار الإسلامي نفسه، وأضاف أن ضعف الأحزاب الأخرى لا يثبت التمكين بل يكشف خراب الحياة السياسية الذي بدأ منذ 1952 واستمر طويلًا قبل وصول الإخوان إلى الحكم.

 

كما استند صبري محمد إلى وقائع انتخابية وتحالفية واضحة حين ذكّر بتحالف الإخوان مع حزب الكرامة وغيره من الأحزاب، وسأل عن الحزب الوطني الذي كان يزعم امتلاك الشعبية ثم تراجع حضوره أمام صندوق انتخابي مفتوح، بينما وصف عبده المقال بأنه تحليل غير دقيق لأن ما سمي أخونة وتمكين كان في نظره أكليشيهات مصطنعة استُخدمت لتشتيت الرأي العام.

 

وفي هذا السياق اكتسب اعتراض هذه التعليقات وزنًا أكبر لأن أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة كان قد قال إن النظام يستخدم جماعة الإخوان فزاعة للتخويف بينما يعد القوى الساعية إلى الحرية والديمقراطية خصمًا حقيقيًا، وهو توصيف يفسر لماذا عادت سردية التمكين كلما احتاجت السلطة إلى إعادة تعريف خصمها خارج الوقائع الفعلية.

 

من سلسبيل إلى رأس الأفعى كيف تُعاد صناعة التهمة في الأدراج والشاشات

 

بعد ذلك انتقل الجدل إلى قلب المادة التي استند إليها المقال، إذ ربط معلقون بين ما كتبه عمار علي حسن وبين الرواية الأمنية القديمة الخاصة بقضية سلسبيل، فقال إبراهيم قاسم ساخرًا إن أهم شيء أن الخطة كانت في الدرج، في إشارة إلى ضعف ما قُدم يومًا باعتباره دليلًا على مشروع اختراق الدولة عبر أوراق ومحاضر ظلت محل تشكيك واسع.

 

ثم صاغ محمد كابا الاتهام بصورة أكثر صراحة حين قال إن المقال خرج من أدراج الأمن الوطني لكن عمار علي حسن أعاد كتابته بأسلوبه الخاص، وربط بين هذا الخط وبين موجة أوسع بدأت في رمضان 2026 عبر مسلسل رأس الأفعى ثم استمرت في منصات إعلامية مختلفة وانتهت إلى مقال يكرر البناء نفسه مع تغيير الصياغة فقط.

 

كذلك ركز إسماعيل رضوان وأسامة الملاح ومحمود المزيان على خلل توثيقي فادح يتعلق بتوقيت قضية سلسبيل، لأن القضية تعود إلى 1992 لا إلى 2005 كما ظهر في بعض الربط الذي انتقدوه، ولذلك اعتبروا أن نقل الوقائع بهذا القدر من الاضطراب لا يطعن في الاستنتاج وحده بل يضرب صدقية الكاتب بوصفه باحثًا يفترض أن يميز بين الملفق والمثبت.

 

وفي هذا الإطار يكتسب رأي سيف الدين عبد الفتاح دلالة مهمة لأنه كتب أن عسكرة المجتمع زحفت معها الوظيفة الأمنية إلى المجال المدني كله وأن الأجهزة باتت تنشغل بمحاصرة المواطن وحرمانه من حقوقه السياسية، وهو تشخيص يفسر كيف تتحول قضايا قديمة وملفات أمنية إلى مادة إعلامية وثقافية متجددة كلما احتاجت السلطة إلى حملة تعبئة جديدة.

 

 

حين يصمت اليسار عن العسكر ويتكلم فقط عن الإخوان

 

في المقابل لم يتوقف المعلقون عند نقد أخطاء المقال بل وسعوا المواجهة إلى سؤال المعيار السياسي نفسه، إذ كتب سمير زاهر أن بعض الكتّاب يهاجمون الإسلاميين إذا طلبوا الحكم ويستدعون نصوصًا دينية لمنعهم من السياسة ثم يلوذون بالصمت عندما يحتكر العسكر السلطة، وبذلك يصبح الاعتراض انتقائيًا لا مبدئيًا ويخدم ميزان القوة القائم لا فكرة الدولة العادلة.

 

ثم جاء تعليق بين سطور الكتب ليضع المقارنة في صورتها الأكثر مباشرة حين قال إن الإخوان خرجوا من المشهد بين اعتقال ومطاردة ونفي قبل أن ينفذوا ما يتهمون به أصلًا، وأضاف أن فترة حكمهم عرفت حياة سياسية حقيقية فيها مؤتمرات ومشادات ومناظرات، بينما صار الاعتراض بعد يوليو 2013 طريقًا معروف النهاية داخل السجون لا في الساحات العامة.

 

كذلك أعاد أحمد نبيل وجمال المنفلوطي ونور الملاح النقاش إلى الوقائع الاجتماعية والسياسية حين قالوا إن الإخوان أخطأوا في فهم توازنات الواقع لكنهم اقتربوا من الشارع وقدموا خدمات فعلية عبر جمعيات ومستشفيات، وإن خصومهم خلطوا عمدًا بين العمل الاجتماعي السابق على الانتخابات وبين الرشوة الانتخابية، كما تجاهلوا أثر الدعم الخليجي للجيش وقوى علمانية وسلفية في إسقاط التجربة.

 

ومن هنا يصبح استدعاء رأي عمرو حمزاوي لازمًا لأنه كتب أن الحصيلة كانت إغلاق الفضاء العام وإلغاء السياسة وتمكين خطابات الكراهية ونظريات المؤامرة من تزييف وعي الناس، وهي صياغة تضع الجدل كله في موضعه الصحيح، فالمسألة لم تعد فحص تجربة مضت بقدر ما صارت دفاعًا عن رواية رسمية تريد شطب المقارنة بين سنة انتخابية مضطربة وسنوات طويلة بلا سياسة.

 

وعلى هذا الأساس لم يكن مستغربًا أن يطالب محمود عبد العزيز تليمة ونور الدين عبد الحافظ الكاتب بالاعتذار بعد قراءة التعليقات، لأن الخطأ هنا لم يظهر بوصفه هفوة جزئية بل بوصفه إصرارًا على إعادة تدوير اتهامات أمنية قديمة في ثوب أكاديمي، بينما ظل السؤال الذي طرحه المعلقون قائمًا بلا جواب وهو لماذا يشتد الخطاب على الإخوان كلما صمت أصحابه عن العسكر.

 

 

كما أن العودة إلى ما طرحه أحمد موسى في يناير 2026 حول سلسبيل ثم ما ظهر في مسلسل رأس الأفعى خلال رمضان 2026 تكشف أن مقال عمار علي حسن لم يهبط من فراغ، لأن الخطاب نفسه تحرك بين الشاشة والمقال والملف الأمني في توقيت متقارب وبالعبارات نفسها تقريبًا، وهو ما جعل كثيرين يرون المقال حلقة ضمن حملة لا اجتهادًا منفصلًا.

 

وفي المحصلة أظهرت هذه الردود أن الذاكرة العامة لم تمح ما جرى في انتخابات 2000 و2005 ولا ما حدث في 2010 ولا ما تلا يناير 2011 من انفتاح سياسي نسبي ثم انغلاق كامل بعد يوليو 2013، ولذلك بدا المقال محاولة متأخرة لفرض سردية لم تعد تقنع حتى من يختلفون مع الإخوان لأن الوقائع التي عاشها الناس بقيت أقوى من إعادة الكتابة.