كشفت الوقائع الأخيرة في القاهرة والجيزة أن استغلال الأطفال في أعمال التسول وبيع السلع بإلحاح لم يعد سلوكًا فرديًا عابرًا في الشوارع، بل صار نشاطًا منظمًا تديره مجموعات اعتادت تحويل الصغار إلى أداة للكسب السهل تحت أعين مدينة مزدحمة تعرف الجريمة ولا توقف أسبابها.

 

وبينما أعلنت وزارة الداخلية ضبط متهمين جدد وتسليم الأطفال إلى ذويهم أو دور الرعاية، فإن السؤال الأثقل بقي حاضرًا وهو لماذا يعود المشهد نفسه كل مرة بالملامح ذاتها تقريبًا. وأوضحت بيانات الضبط أن الإدارة العامة لمباحث رعاية الأحداث تمكنت خلال أبريل من إسقاط مجموعات استغلت أطفالًا في القاهرة والجيزة، بينهم متهمون لهم معلومات جنائية، مع العثور على أطفال معرضين للخطر أثناء التسول وبيع سلع بطريقة إلحاحية، ثم جاءت قرارات الحبس والتحقيق لتؤكد أن النيابة تنظر إلى الوقائع باعتبارها جريمة مكتملة لا مجرد مخالفة شارع عابرة.

 

القانون يصف الجريمة.. لكن التنفيذ يترك الباب مفتوحًا

 

ولفتت المحامية مها أبو بكر إلى أن استغلال الأطفال في التسول يدخل ضمن صور الاتجار بالبشر حتى إذا بدا الطفل خاضعًا أو صامتًا أو جرى الدفع به من أسرته نفسها، موضحة أن إنقاذ الطفل يجب أن يتبعه إما تسليمه لذويه بعد التعهد بحسن الرعاية أو إيداعه جهة مناسبة إذا كان مصدر الخطر من داخل البيت نفسه، وهو ما يجعل الواقعة أكبر من مجرد ضبط متهمين في كمين ناجح.

 

ويبين هذا التكييف القانوني أن الدولة تعرف وصف الجريمة جيدًا، لكنها لا تزال تتعامل مع نتائجها أكثر مما تواجه بنيتها الحقيقية، لأن الشبكات التي تدفع الأطفال إلى الشارع لا تعمل بالصدفة ولا تتحرك فرادى، بل تستفيد من فقر الأسر وضعف المتابعة وارتباك التنسيق بين الحماية الاجتماعية والردع الجنائي، ثم تعود سريعًا ما دام العائد قائمًا والثمن مؤجلًا.

 

وأكد المحامي أيمن محفوظ أن قانون الطفل وقانون مكافحة الاتجار بالبشر يسمحان بعقوبات تصل إلى السجن المشدد والغرامة، وقد تبلغ المؤبد إذا اقترنت الجريمة بسلطة للجاني على الطفل أو بضرر جسيم لحق به، لكن النص وحده لا يصنع حماية ما لم يتحول إلى تطبيق متكرر وسريع يقطع على هذه الشبكات قدرتها على إعادة إنتاج الجريمة بعد كل حملة.

 

من الشارع إلى الجريمة المنظمة.. كيف يُصنع الطفل الضحية

 

وفي موازاة القراءة القانونية، قال اللواء فاروق المقرحي إن أغلب ممارسات التسول المنظم تجري عبر تشكيلات عصابية متخصصة، تبدأ باصطحاب طفل أو استغلال امرأة معه في الشارع، ثم يتحول الأمر مع الوقت إلى تدريب على السرقة والنشل وأشكال أخرى من الإجرام، بما يعني أن غض الطرف عن هذا النوع من الاستغلال لا يترك طفلًا فقيرًا فقط، بل يصنع مسارًا كاملًا للانحراف المنظم.

 

ويرى هذا التفسير الأمني أن الخطر الحقيقي لا يبدأ عند لحظة مد اليد إلى المارة، بل عند اللحظة التي يصبح فيها جسد الطفل وملامحه واحتياجه وسيلة عمل يومية لشبكة تعرف كيف تبتز تعاطف الناس ثم تحوله إلى دخل ثابت، ولذلك فإن القبض على المتهمين يجب أن يتبعه تفكيك مصادر التمويل والمراقبة الميدانية للأماكن التي تعيد تدوير الأطفال في اليوم التالي.

 

وأشارت الدكتورة سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس إلى أن دراسات أطفال الشوارع تكشف أن الظاهرة تنشأ غالبًا من أسر مفككة أو من بيئات غابت فيها المسؤولية والرعاية والقدرة على الاحتواء، بما يعني أن الطفل الذي يُدفع إلى الشارع لا يخرج من فراغ، بل من سلسلة فشل سبقت لحظة استغلاله بوقت طويل، داخل البيت قبل الطريق.

 

الحماية المؤجلة تصنع عودة أسرع إلى الشارع

 

وفي ظل هذا المعنى، تبدو عبارة تسليم الأطفال إلى أهليتهم مطمئنة على الورق فقط، لأن بعض الأسر تكون جزءًا من دائرة الاستغلال نفسها أو عاجزة أصلًا عن توفير الحد الأدنى من الحماية، وهو ما يجعل إعادة الطفل بلا متابعة اجتماعية وقانونية فعالة مجرد إعادة تدوير للأزمة، لا حلًا لها، خصوصًا حين تكون الحاجة الاقتصادية أقوى من أي تعهد شكلي يُؤخذ في قسم الشرطة.

 

وأوضح المجلس القومي للطفولة والأمومة في أكثر من تدخل أن حماية الأطفال من الاستغلال تستلزم بلاغًا عاجلًا ومساندة قانونية ونفسية ومسارًا مؤسسيًا يضمن سلامة الطفل بعد إنقاذه، كما يوفر المجلس خدمات للدعم القانوني والنفسي للأطفال الضحايا، وهي آليات مهمة لكن فعاليتها تظل مرهونة بسرعة الوصول وتكاملها مع الشرطة والنيابة والرعاية اللاحقة.

 

وأخيرًا، تفضح هذه الوقائع حقيقة لا يجوز تجميلها وهي أن المجتمع لا يواجه مجرد متسولين في الإشارات، بل يواجه اقتصادًا قذرًا قائمًا على تشغيل الطفولة في الشارع ثم دفن المسؤولية تحت عنوان الفقر أو التسامح الشعبي أو الحملات الموسمية. وما لم تتحول الضربات الأمنية إلى سياسة مستمرة تربط العقاب بالحماية والمتابعة، فإن القاهرة والجيزة ستظلان تستقبلان كل شهر دفعة جديدة من الأطفال المسروقين من أعمارهم، بينما تبقى الدولة تطارد الأعراض وتترك المرض يعمل في وضح النهار.