فرضت شكاوى أولياء الأمور نفسها مجددًا على ملف التعليم مع اقتراب امتحانات نهاية العام، بعدما تصاعدت المطالب بتخفيف المناهج في صفوف النقل، على خلفية قصر الفصل الدراسي الثاني وتعدد الإجازات وكثرة التقييمات داخل المدارس، بينما تمسكت الوزارة بعدم حذف أجزاء من المقررات، وهو ما زاد حدة الغضب بين الأسر التي ترى أن العبء تجاوز قدرة الطلاب على الاستيعاب والمراجعة.

 

شكاوى متراكمة قبل الامتحانات

 

أوضحت مطالبات أولياء الأمور خلال الأيام الأخيرة أن الأزمة لم تعد مرتبطة بصعوبة بعض الدروس فقط، بل باتت متعلقة ببنية دراسية كاملة تكدس المقررات داخل زمن أقصر من اللازم، في وقت تلاحقت فيه الإجازات والاختبارات الشهرية والتقييمات، بما جعل قطاعات واسعة من الأسر تعتبر أن الطالب يطارد المنهج بدلًا من أن يتعلمه، وأن المدرسة تحولت إلى مساحة ضغط يومي لا إلى بيئة تحصيل فعلي.

 

ولفت تمسك الوزارة بموقفها الرافض لتخفيف مناهج الفصل الدراسي الثاني إلى فجوة واضحة بين الإدارة المركزية والواقع المدرسي، إذ أكدت تقارير صحفية في 2 أبريل أن الوزارة نفت حذف أي جزء من المناهج أو تخصيص دروس للاطلاع فقط، رغم اتساع الشكاوى من ضيق الوقت، وهو ما اعتبره أولياء أمور تجاهلًا مباشرًا لعبء بات ظاهرًا داخل البيوت والمدارس معًا. ويبين هذا الرفض الرسمي أن الأزمة لا تتوقف عند حجم المقررات، بل تمتد إلى طريقة إدارة العام الدراسي نفسه، لأن الإصرار على بقاء المنهج كما هو، رغم تغير عدد الأيام الفعلية للدراسة، يدفع الطالب إلى الحفظ السريع والانتقال القسري بين الدروس دون تمكين حقيقي، ويجعل الأسرة مطالبة بسد عجز المدرسة عبر الدروس والمتابعة المنزلية تحت ضغط زمني متواصل.

 

خبراء يحذرون من اتساع الفجوة بين المنهج والزمن

 

وأكد الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن أزمة كثافة المناهج في الفصل الدراسي الثاني ترتبط بوجود مقررات مطورة كثيرة يجري تطبيق بعضها لأول مرة هذا العام، مشيرًا إلى أن ضيق الوقت يفرض البحث عن حلول عملية تقلل العبء. وتكشف هذه القراءة أن الشكوى ليست انطباعًا عابرًا، بل انعكاسًا لاختلال حقيقي بين المحتوى والزمن المتاح للتدريس.

 

وفي موازاة ذلك، حذر شوقي أيضًا في 12 أبريل من أن تضخم المناهج وتفاصيلها المفرطة يضعف نواتج التعلم ويدفع الطلاب أكثر نحو الاعتماد على الحفظ، وهي ملاحظة تضرب جوهر الخطاب الرسمي عن التطوير، لأن أي منهج يفقد الطالب الفهم لصالح مراكمة التفاصيل يتحول عمليًا إلى عبء، حتى لو حمل عنوان التحديث أو قيل إنه بني على معايير جديدة. ويرى الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، في تصريحات سابقة خلال 11 يناير أن أي تطوير حقيقي يحتاج عملًا منظمًا عبر مراكز المناهج والتقويم والبحث التربوي. لكن ما جرى على الأرض أعاد فتح السؤال القديم نفسه، لأن الحديث عن التطوير المؤسسي لا يكفي وحده ما دام ولي الأمر والمعلم يواجهان في النهاية مقررات أثقل من الزمن المدرسي الفعلي وأقرب إلى التكديس منها إلى البناء التربوي المتدرج.

 

خلفية ممتدة وقرارات لم تنه الأزمة

 

وأشار مسار السنوات الأخيرة إلى أن الجدل حول ثقل المناهج ليس جديدًا، فمع بدء تطبيق المناهج المطورة على نطاق أوسع، استمرت الوزارة في الإعلان عن تحديثات وتعديلات متلاحقة للمقررات وتوزيع الحصص، كما أُتيحت مناهج مطورة لعدد من الصفوف والمواد خلال العام الدراسي 2025 إلى 2026. غير أن تكرار التعديل دون معالجة واضحة لمشكلة الكثافة الزمنية أبقى أصل الأزمة قائمًا بدل حسمه.

 

ويؤكد هذا المسار أن الخلل لم يعد في قرار منفرد أو فصل دراسي واحد، بل في منهج إدارة يضيف تعديلات متتابعة ثم يطلب من المدرسة امتصاص آثارها فورًا، بينما يظل الطالب الحلقة الأضعف. فالوزارة تحدثت في يونيو ويوليو وأغسطس 2025 عن تطويرات وخطط جديدة، لكن موسم الشكاوى عاد في أبريل 2026 بصورة أكثر حدة، بما يعني أن القرارات السابقة لم تعالج العبء من جذوره. ولفتت هذه العودة المتكررة للأزمة إلى أن نتائجها لم تعد تعليمية فقط، بل امتدت إلى المناخ المدرسي كله، لأن ضغط إنهاء المنهج قبل الامتحانات يلتهم وقت الأنشطة والمراجعة والفهم، ويحول العلاقة بين الطالب والكتاب إلى علاقة خوف واستعجال. كما أن غياب المرونة في التعامل مع الواقع الدراسي يفتح الباب أمام مزيد من النفور من المدرسة ويضاعف اعتماد الأسر على بدائل مكلفة خارجها.

 

نتيجة مأزق مفتوح

 

وأخيرًا أكدت حصيلة الأسابيع الأخيرة أن ملف المناهج بات اختبارًا سياسيًا وإداريًا للوزارة بقدر ما هو ملف تعليمي، لأن الإبقاء على مقررات مثقلة داخل زمن مضغوط ثم مطالبة الطلاب بتحصيلها كاملًا قبل الامتحانات يضعف الثقة في خطاب الإصلاح نفسه. وإذا استمرت الوزارة في الاكتفاء بالنفي، فإنها تترك الأسر والمعلمين في مواجهة مأزق يومي يتكرر كل عام، بينما يذهب ثمن هذا الإنكار من أعصاب الطلاب وحقهم في تعليم مفهوم وعادل.