اندلع حريق قصر العيني عصر السبت 11 أبريل 2026 داخل مستشفى الاستقبال والطوارئ، وقال رئيس جامعة القاهرة محمد سامي عبد الصادق إن سببه ماس كهربائي في أحد أجهزة التكييف عند نحو الرابعة عصرًا، وإنه جرى إخلاء نحو 40 مريضًا بينهم حالات رعاية مركزة من دون تسجيل إصابات.

 

لكن الحادث الذي سارعت الإدارة إلى وصفه بأنه “أمر طفيف” فتح ملفًا أكبر من واقعة يوم واحد، لأن المستشفى الذي يخدم نحو 2.5 مليون مريض سنويًا ويقع ضمن منظومة تضم 27 مستشفى جامعيًا لم يعد مجرد مبنى تعرض لماس كهربائي، بل صار مرآة مباشرة لحال قطاع حكومي تتحمل منشآته ضغطًا هائلًا تحت إدارة تقوم على احتواء الأزمات بعد وقوعها لا على منع أسبابها قبل الاشتعال.

 

الحكومة تريد أن يُقرأ الحريق باعتباره واقعة محدودة انتهت بلا خسائر بشرية، لكن هذا التقديم الرسمي يتجاهل السؤال الأهم، وهو لماذا يصل الخلل الكهربائي أصلًا إلى منشأة تستقبل هذا الحجم من المرضى في قلب العاصمة. هنا لا يصبح الحديث عن خطة إخلاء ناجحة كافيًا، لأن النجاح في إنقاذ المرضى من الحريق لا يمحو حقيقة أن بنية المستشفيات الحكومية تعمل منذ سنوات تحت ضغوط مزمنة من نقص الموارد وتآكل الصيانة وتراكم الأعطال، بينما تمضي الدولة في خطاب إنجازي لا يعترف بأن القطاع الصحي نفسه يدفع ثمن أولويات مالية وسياسية جعلت الوقاية بندًا مؤجلًا إلى أن تقع الكارثة أو تقترب منها.

 

رواية السيطرة السريعة لا تلغي أن الحريق خرج من قلب البنية المهترئة

 

قال محمد سامي عبد الصادق إن الحريق بدأ من ماس كهربائي في جهاز تكييف، وإن الجامعة فعّلت خطة الأزمات فورًا وشكلت لجنة فنية من أساتذة الهندسة لمعرفة الأسباب بدقة ومنع التكرار. كما أكد أن بعض الحالات الطارئة جرى توجيهها إلى مستشفيات أخرى تابعة لوزارة الصحة، وأن العمل استمر في الأقسام الأخرى. هذه الرواية الإدارية مهمة لأنها تثبت سرعة التحرك، لكنها تثبت في الوقت نفسه أن منشأة بهذا الحجم ما زالت معرضة لخلل كهربائي يفرض إخلاء مرضى ونقل طوارئ في دقائق معدودة.

 

ثم يزداد المعنى وضوحًا لأن قصر العيني ليس مستشفى هامشيًا يمكن عزله عن الصورة العامة. رئيس الجامعة نفسه قال إن المستشفيات التابعة لقصر العيني تمثل ملاذًا آمنًا لنحو 2.5 مليون مريض سنويًا، أي أن أي خلل داخل هذا المجمع لا يخص إدارة مبنى منفرد بل يخص قطاعًا عامًا يعتمد عليه ملايين لا يملكون بدائل خاصة ميسورة. وحين يصدر الحريق من منظومة تكييف وكهرباء داخل مستشفى استقبال وطوارئ، فإن السؤال ينتقل فورًا من سبب فني مباشر إلى بيئة إدارية أوسع تسمح بتراكم هذا النوع من المخاطر.

 

وفي هذا السياق لا تبدو حوادث المستشفيات الحكومية في مصر مفاجئة تمامًا. تقارير صحفية سابقة وثقت حرائق في مستشفيات كبرى خلال الأعوام الماضية، بينها حوادث مرتبطة بماسات كهربائية داخل منشآت عامة، مع تنبيه متكرر إلى ضعف وسائل التأمين ضد الكوارث في عدد من المستشفيات الحكومية. هذا السجل لا يثبت وحده أن قصر العيني أُهمل في هذه الواقعة بعينها، لكنه يثبت أن خطر الحريق داخل المستشفيات الحكومية في مصر ليس استثناءً نادرًا، بل جزء من نمط لم يُغلق أسبابه جذريًا.

 

ويظهر هنا أول صوت خبير من داخل المنظومة نفسها. الدكتور محمد سامي عبد الصادق لم يكتفِ بشرح تفاصيل الحادث، بل أقر عمليًا بأن تفعيل خطة الإخلاء كان ضروريًا لحماية مرضى من أقسام حساسة، وأن بعض الحالات احتاجت نقلًا فوريًا إلى رعايات أخرى ومستشفيات خارج المجمع. هذا الإقرار يؤكد أن الخطر لم يكن شكليًا، وأن المؤسسة اضطرت إلى إجراءات استثنائية لإنقاذ الموقف، وهو ما ينزع عن الخطاب الرسمي أي محاولة لتصوير ما جرى كعطل بسيط لا يستحق مساءلة أوسع.

 

سياسات التمويل الحكومي أضعفت المستشفيات قبل أن يشتعل جهاز التكييف

 

المشكلة لا تبدأ من جهاز تكييف معطل، بل من نموذج تمويل وصيانة يضع القطاع الصحي الحكومي تحت ضغط دائم. تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن موازنة 2025 و2026 قال إن الدستور يفرض رفع الإنفاق على الصحة إلى 3% من الناتج المحلي، لكن الواقع سار في الاتجاه المعاكس، وإن الرئيس نفسه أقر في يونيو 2023 بأن الحكومة لا تفي بالحد الأدنى الدستوري للإنفاق على التعليم والصحة. كما أشار التقرير إلى أن الحكومة تدرج جزءًا من فوائد الدين داخل مخصصات الصحة لإظهار صورة محاسبية أقرب إلى الامتثال من دون إنفاق فعلي موازٍ على الخدمة نفسها.

 

ثم تأتي المفارقة الأوضح من داخل الخطاب الحكومي ذاته. “المصري اليوم” نقلت عن إنفوجراف رسمي أن الإنفاق الصحي في موازنة 2025 و2026 وصل إلى 617.9 مليار جنيه، مع استثمارات بالمليارات في المستشفيات الجامعية ومشروعات البنية التحتية. غير أن الجمع بين هذه الرواية وبين اعترافات النقص والصيانة المتعثرة يفرض سؤالًا مباشرًا: أين يذهب هذا الإنفاق إذا بقيت مستشفيات الاستقبال والطوارئ معرضة لحريق يبدأ من ماس كهربائي في منظومة تكييف، ويستدعي إخلاء مرضى رعاية وتحويل حالات إلى خارج المستشفى.

 

وبسبب هذا التناقض لا تبدو المسألة مسألة أرقام موازنة فقط، بل مسألة أولويات. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قالت بوضوح إن السلطات تحمل قطاعي الصحة والتعليم أجزاء من أعباء فوائد الدين لإظهار التزام شكلي بالنسبة الدستورية، وهو ما يعني أن الدين العام يزاحم الإنفاق الحقيقي على الخدمة والصيانة والتشغيل. حين تُستنزف الموازنة في خدمة الدين ويُعاد تجميل الأرقام محاسبيًا، تصبح المرافق العامة هي أول من يدفع الثمن، لا سيما تلك التي تعمل بطاقتها القصوى كل يوم مثل قصر العيني.

 

وفي هذا الموضع يظهر صوت خبير ثانٍ من خارج الإدارة الرسمية المباشرة. الدكتور هشام عزت، وهو طبيب تخدير مصري يعمل في ألمانيا، قال لرويترز إن جودة النظام الصحي المصري تتراجع منذ عقود، وإن كثيرًا من المستشفيات المصرية تفتقر إلى أدوات ومعدات أساسية تعتبر ضرورية في الخارج. هذه الشهادة لا تتحدث عن حريق قصر العيني تحديدًا، لكنها تشرح البيئة التي تجعل مستشفى حكوميًا كبيرًا يعمل تحت ضغط دائم ومع هامش أمان أقل من المطلوب، وهي البيئة نفسها التي تجعل حادثًا كهربائيًا صغيرًا خطرًا واسع الأثر.

 

الحريق وقع في مستشفى منهك أصلًا والعاملون فيه يدفعون ثمن العجز الرسمي

 

رويترز نقلت كذلك أن المستشفيات العامة في مصر تعمل كثيرًا بميزانيات شديدة الضيق، وأن أطباء أفادوا بأنهم يضطرون أحيانًا إلى شراء مستلزمات أساسية من جيوبهم مثل القفازات والخيوط الجراحية. هذا الكلام ورد في سياق قانون المسؤولية الطبية، لكنه يضيء جوهر المشكلة نفسها هنا. فالمستشفى الذي يعجز عن توفير احتياجات يومية ثابتة أو يعاني أعطال تجهيزات وأجهزة، لا يمكن فصل حريقه الكهربائي عن السياسة العامة التي تتركه يعمل على الحافة ثم تطلب من العاملين داخله صنع المعجزات كل يوم.

 

كما أن ضغوط التشغيل داخل المستشفيات الحكومية لا تتعلق فقط بالنقص المادي، بل أيضًا بنقص الأطباء وارتفاع العنف والاحتقان. رويترز نقلت عن الدكتور إبراهيم الزيات، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق، قوله إن الشكوى الأكثر شيوعًا في المستشفيات هي عدم العثور على سرير للمريض، وإن أسر المرضى كثيرًا ما تصب غضبها على الطبيب. هذا التوصيف يضع حريق قصر العيني في سياق أوسع، لأن المستشفى الحكومي في مصر ليس مكانًا آمنًا مستقرًا ثم داهمه عرض طارئ، بل ساحة عمل ضاغطة أصلًا يضاف إليها اليوم خلل البنية والصيانة.

 

ثم تتضح قسوة هذا السياق أكثر حين نقرأ ما قاله الزيات نفسه عن الاستقالات اليومية بين الأطباء، وما أوردته رويترز عن أن مصر تملك 12.8 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة فقط، وهو أقل من المتوسط العالمي. هذا النقص البشري لا يخص الحريق مباشرة، لكنه يشرح لماذا يصبح أي حادث داخل مستشفى حكومي مضاعف الأثر، لأن المنظومة التي تتعامل معه منهكة أصلًا بنقص الأفراد والضغط المستمر، ولا تملك رفاهية التعافي السريع من أخطاء كان يجب منعها قبل وقوعها.

 

وفي هذا الإطار يبرز صوت خبير ثالث هو الدكتور إبراهيم الزيات نفسه، لأن شهادته تجمع بين ضغط العمل ونقص الإمكانات والاحتقان الاجتماعي داخل المستشفيات. الزيات لم يتحدث عن قصر العيني تحديدًا، لكنه شرح كيف تحولت المستشفيات الحكومية إلى أماكن يتلقى فيها الطبيب غضب الناس بسبب عجز النظام عن تقديم الخدمة الكافية. وعندما يجتمع هذا العجز مع خطر كهربائي يستدعي إخلاء عشرات المرضى، يصبح من الصعب تبرئة السياسات الحكومية من مسؤولية المناخ الذي يجعل المنشأة والعاملين والمرضى جميعًا عرضة لمثل هذا المشهد.

 

لذلك فإن حريق قصر العيني لا يثبت فقط أن خطة الإخلاء نجحت ولا أن الإدارة تحركت بسرعة، بل يثبت أيضًا أن الحكومة تواصل إدارة القطاع الصحي بمنطق الترقيع لا بمنطق الإصلاح. هي ترفع أرقام الإنفاق في البيانات، وتعترف في الوقت نفسه بعدم الوفاء بالحد الأدنى الدستوري الحقيقي، وتترك المستشفيات تحت ضغط الدين والعجز ونقص الكوادر، ثم تطلب من الناس الاكتفاء بعبارة “لا إصابات”. لكن غياب الإصابات لا يعني غياب المسؤولية، لأن السياسة التي تؤجل الصيانة وتضغط التشغيل وتستنزف الموارد تظل هي الخلفية المباشرة لأي شرارة كان يمكن أن تتحول في لحظة إلى كارثة أكبر.

 

وفي الخاتمة، يفضح حريق قصر العيني المسافة بين خطاب الدولة عن السيطرة والكفاءة وبين واقع مستشفيات حكومية تعمل تحت حمل يفوق طاقتها، في ظل أولويات مالية وسياسية لا تضع سلامة البنية العامة في المقدمة. الحكومة تريد من الناس أن يشكروا خطة الإخلاء، بينما السؤال الحقيقي هو لماذا احتاج المرضى أصلًا إلى الإخلاء. وحين يكون الجواب مرتبطًا بماس كهربائي داخل مستشفى طوارئ عملاق، فإن الاتهام لا يتوقف عند جهاز تكييف أو غرفة كهرباء، بل يصل مباشرة إلى سياسات حكم جعلت المستشفى الحكومي ينجو بالمصادفة والانضباط اللحظي أكثر مما ينجو بالصيانة والاستثمار والاحترام الحقيقي لحق المرضى في الأمان.