قدّمت حكومة السيسي تراجع ترتيب مصر في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026 بوصفه شهادة نجاح جديدة لسياساتها الأمنية، بعد انتقالها من المركز 29 في تقرير 2025 إلى المركز 32 في تقرير 2026، وفق تقرير معهد الاقتصاد والسلام. غير أن هذا التحسن لم يأتِ من فراغ إداري أو من إصلاح سياسي واسع، بل جاء بعد سنوات من العمليات العسكرية المكثفة، والتوسع في التشريعات الاستثنائية، وتشديد الرقابة على الحدود، وتوسيع الصلاحيات الأمنية في الفضاءين العام والرقمي، وهي أدوات قالت السلطة إنها كانت ضرورية لكسر موجات العنف ومنع عودتها.

 

لكن المشكلة أن السلطة لم تقدّم هذه الإجراءات باعتبارها تدابير مؤقتة مرتبطة بمرحلة محددة، بل حوّلتها إلى أساس دائم لإدارة المجال العام كله. وهنا تحديدًا يبدأ الوجه الآخر للقصة. منظمات حقوقية وخبراء أمميون قالوا إن قوانين مكافحة الإرهاب استُخدمت لسجن مدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين وصحفيين، وإن خطاب “الاستقرار” استُخدم لتبرير تضييق العمل العام ومراقبة الإنترنت والاحتجاز المطول والانتهاكات داخل السجون، بينما تحدثت تقارير أخرى عن شكاوى من قتل خارج القانون وتعذيب وإخفاء قسري وانتهاكات طالت نساء وفتيات بدعوى الصلة بتنظيمات مسلحة.

 

الحكومة خفّضت أثر الإرهاب عبر التوسع الأمني لا عبر انفتاح سياسي

 

اعتمدت الحكومة في مسارها لخفض أثر الإرهاب على مزيج واضح من الأدوات الأمنية والعسكرية والتشريعية. رويترز نقلت أن السلطات المصرية بررت حملات التضييق على المعارضة والحريات منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم بأنها استهدفت “إرهابيين ومخربين” يسعون إلى تقويض الدولة. هذا التبرير ظل حاضرًا لسنوات بوصفه الغطاء السياسي لكل ما جرى لاحقًا من إحكام للقبضة الأمنية وإعادة تشكيل المجال العام تحت عنوان حماية الاستقرار.

 

ثم تعزز هذا المسار بإطار قانوني أوسع، لأن تشريعات مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية منحت الأجهزة صلاحيات كبيرة في المراقبة والمتابعة والمنع. تقرير “فريدم هاوس” عن حرية الإنترنت في مصر أوضح أن قانون مكافحة الإرهاب يسمح للشرطة بمراقبة حركة الإنترنت ومنصات التواصل “لمنع استخدامها لأغراض إرهابية”، كما أن قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2018 سهّل بدوره رقابة الدولة على المجال الرقمي. هذا يعني أن الدولة لم تكتفِ بملاحقة الخلايا المسلحة، بل وسعت أدوات المراقبة إلى المجال العام الواسع.

 

وبعد ذلك أصبح التحسن في المؤشر الدولي قابلًا للفهم من جهة الأرقام، لأن تقرير معهد الاقتصاد والسلام يقيس عدد العمليات والقتلى والإصابات وحالات الاختطاف، ولا يقيس في المقابل حالة الحقوق والحريات أو اتساع الفضاء السياسي. لذلك فإن تراجع أثر الإرهاب في المؤشر لا يساوي تلقائيًا تحسنًا في بنية الحكم أو في وضع الحقوق الأساسية، بل يعني فقط أن العنف الإرهابي المباشر تراجع وفق المؤشرات الأربع التي يعتمدها التقرير.

 

وفي هذا السياق قال مايكل وحيد حنا، مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، إن القاهرة استخدمت أولوية مكافحة الإرهاب لإبعاد الانتقادات الغربية المتعلقة بالأزمة الحقوقية والسياسية الأوسع. هذا التوصيف لا ينفي أن الدولة واجهت خطرًا أمنيًا حقيقيًا، لكنه يوضح أن النجاح الأمني النسبي استُخدم سياسيًا لتبرير بقاء المجال العام تحت رقابة صارمة ولتأجيل أي نقاش جدي حول الإصلاح السياسي وفتح الحياة العامة.

 

السلطة بررت القمع والانتهاكات باعتبارها جزءًا من الحرب على الإرهاب

 

بالتوازي مع ذلك، استُخدمت قوانين مكافحة الإرهاب ضد مدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين بعبارات فضفاضة تربط العمل السلمي بخطر أمني مزعوم. ماري لولور، المقررة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، قالت في يناير 2025 إنها تشعر بقلق بالغ من استمرار تطبيق التشريعات المصرية الخاصة بمكافحة الإرهاب لسجن مدافعين عن حقوق الإنسان. هذا الكلام صدر من آلية أممية رسمية، ويعني أن ملف الإرهاب لم يبقَ ملفًا خاصًا بالجماعات المسلحة وحدها، بل امتد إلى معارضين سلميين أيضًا.

 

ثم جاء بيان خبراء الأمم المتحدة في فبراير 2025 ليجعل الصورة أكثر وضوحًا، إذ قالوا إن جرائم الإرهاب والأمن القومي في مصر تُستخدم على نطاق واسع لإسكات المعارضين. البيان تحدث تحديدًا عن علاء عبد الفتاح، لكنه وسّع الدلالة لتشمل آخرين “أُسكتوا” عبر تهم الإرهاب والأمن القومي. هذه الصياغة تعني أن الدولة لم تستخدم الملف ضد العنف فقط، بل استخدمته أيضًا ضد التعبير والنقد والعمل السياسي والمدني.

 

كما أن هيومن رايتس ووتش قالت في مذكرتها إلى الاستعراض الدوري الشامل لمصر في يوليو 2024 إن الفضاء المدني بقي “مقيدًا بشدة”، وإن المنظمات المستقلة واجهت مضايقات قضائية وأمنية مستمرة بموجب قوانين صارمة، بينها قوانين ذات صلة بمكافحة الإرهاب. المنظمة أضافت أن مصر لم تنفذ التوصيات السابقة المتعلقة بحماية المحتجزين من التعذيب وسوء المعاملة، وهو ما يربط بين القبضة الأمنية وبين استمرار الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.

 

وبسبب هذا المسار لم تعد شكاوى المعتقلين مجرد ملف فرعي في نقاش الحقوق. تقارير حقوقية متعددة تحدثت عن احتجاز مطول، وإعادة تدوير قضايا، وإخفاء قسري، وحرمان من الرعاية الطبية، وسوء معاملة داخل السجون. تقرير مشترك عن وضع حقوق الإنسان في مصر نُشر في ديسمبر 2024 أشار إلى توثيق اختفاءات قسرية وتعذيب وأحكام إعدام وقتل خارج القانون على خلفية قضايا سياسية منذ 2013، بما يعكس أن الحرب على الإرهاب لم تُبنَ فقط على الملاحقة القضائية العادية، بل ارتبطت أيضًا بوقائع جسيمة لا تزال بلا مساءلة كافية.

 

وفي هذا الإطار يكتسب كلام بن سول، المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب، أهمية مباشرة حتى لو جاء في إطار أممي أوسع. بن سول قال إن هناك “تسليحًا” للتعريفات الفضفاضة للإرهاب ضد المجتمع المدني والمدافعين عن الحقوق والنشطاء والمعارضين والصحفيين والطلاب. هذا الوصف ينسجم مع النمط المصري كما عرضته بيانات أممية أخرى، لأن جوهر الإشكال هنا ليس وجود قانون لمكافحة الإرهاب، بل طريقة توسيع معناه حتى يبتلع مجالات لا علاقة لها بالعنف المسلح.

 

النساء والعمل العام والحريات دفعت جزءًا من كلفة هذا المسار

 

ولم تتوقف آثار هذا النهج عند الرجال المعارضين أو النشطاء التقليديين، لأن النساء أيضًا تعرضن لانتهاكات تحت المظلة نفسها. هيومن رايتس ووتش وثقت في مايو 2023 احتجاز نساء وفتيات في شمال سيناء بدعوى صلات مزعومة بعناصر من تنظيم الدولة، وقالت إن بعضهن تعرضن للاعتقال التعسفي لشهور أو سنوات، رغم أن بعضهن كن في الأصل ضحايا انتهاكات من الجماعة المسلحة نفسها، بينها الاغتصاب والزواج القسري. هذا الملف يكشف أن منطق “الاشتباه الأمني” امتد إلى النساء والفتيات من دون حماية قانونية كافية.

 

ثم انعكس هذا التوسع الأمني على وضع الحريات العامة والعمل العام بصورة مباشرة. رويترز وصفت انتخابات 2023 بأنها جاءت بعد “سنوات من القمع” طالت طيفًا واسعًا من المنتقدين، بينما قالت الحكومة إن الإجراءات كانت ضرورية لاستقرار البلاد ومواجهة من يهددون الدولة. هذه المعادلة نفسها هي التي تفسر تقلص المعارضة المنظمة وتراجع قدرة الأحزاب والمجموعات المستقلة على الحركة، لأن خطاب الإرهاب لم يعد أداة لمواجهة الخطر فقط، بل أصبح أداة لتحديد من يحق له الكلام ومن يجب أن يصمت.

 

كما أن تقارير حقوقية لاحقة قالت إن المجال المدني ظل منكمشًا وإن القوانين الاستثنائية استمرت في تعطيل الحق في التنظيم والتجمع والتعبير. مذكرات حقوقية قُدمت في 2024 و2025 إلى آليات دولية مختلفة شددت على أن العمل العام لم يستعد عافيته، وأن أي حديث عن حوار أو انفراج بقي محدود الأثر مقارنة بسلطات الأجهزة وبقاء البنية القانونية القمعية كما هي. وهذا يعني أن التراجع في مؤشر الإرهاب لم يترافق حتى الآن مع انفتاح سياسي موازٍ يثبت أن الهدف كان فعلًا حماية المجتمع لا إدارة الصمت داخله.

 

وفي المحصلة، فإن ما فعلته الحكومة لنيل هذا التراجع في المؤشر كان واضحًا: عمليات أمنية واسعة، تشريعات استثنائية، رقابة رقمية، وتوسيع صلاحيات الدولة في الملاحقة والمنع. لكن ما فعلته أيضًا هو تحويل هذا المسار إلى مبرر دائم للقمع، والقتل خارج القانون، وشكاوى المعتقلين، والانتهاكات بحق النساء، وتآكل الحريات، وتراجع العمل العام. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تحسن في المؤشر لن تُقاس بالترتيب وحده، بل بما إذا كانت الدولة ستتوقف عن استخدام الإرهاب ذريعة مفتوحة لإغلاق الحياة السياسية ومصادرة الحقوق الأساسية.