تعود مطالب مركز صناعات الجلود المتطورة بالروبيكي إلى الواجهة في لحظة ضاغطة على الاقتصاد المصري، إذ يطلب المستثمرون وقف استيراد الأحذية والمنتجات الجلدية مؤقتا حتى نهاية ديسمبر، بدعوى إنقاذ المصانع من التعطل ومنح المنتج المحلي فرصة لاستعادة السوق. هذا الطلب لا يأتي من فراغ، بل من قطاع يقول إن المصانع تملك طاقة إنتاجية معطلة، بينما تستمر الواردات والمنتجات المهربة في سحب الطلب والسيولة من الداخل.
المفارقة أن الدولة التي أنفقت على الروبيكي وقدمتها باعتبارها مركزا صناعيا بديلا عن الفوضى القديمة، تجد نفسها الآن أمام مناشدة جديدة لحماية هذا الاستثمار بقرارات استثنائية. لذلك يتحول الملف من مجرد نزاع تجاري إلى اختبار مباشر لسياسة الحكومة الصناعية، ولقدرتها على ضبط السوق، ومنع المنافسة غير المتكافئة، وربط الإنفاق العام بنتائج إنتاجية واضحة داخل المصانع الوطنية.
بين حماية المصانع وكشف ضعف السوق
ينطلق مطلب الوقف المؤقت من تقدير واضح داخل مركز صناعات الجلود المتطورة بأن السوق المحلي لا يعمل بشروط عادلة، لأن المنتج المستورد يدخل في توقيت تعاني فيه المصانع من تباطؤ التشغيل وارتفاع التكلفة. لذلك يرى المستثمرون أن وقف الاستيراد حتى ديسمبر يمنح المصانع مساحة زمنية لاستعادة الطلب المحلي وتحريك خطوط الإنتاج بكفاءة أعلى.
ثم إن هذا الطرح يرتبط بهدف معلن هو رفع معدلات تشغيل المصانع بعد فترة تراجع ملحوظة، وهي نقطة يكررها العاملون في القطاع باعتبارها جوهر الأزمة الحالية. فالمصنع الذي يعمل بأقل من طاقته لا يستطيع خفض التكلفة ولا تثبيت العمالة، بينما يمنح تدفق الأحذية المستوردة منافسه الخارجي أفضلية جاهزة داخل السوق المصرية.
وفي هذا السياق، قال المهندس محمد زلط نائب رئيس المركز إن المستثمرين طالبوا خلال الندوة بوقف استيراد الأحذية والمنتجات الجلدية بشكل مؤقت حتى نهاية العام، من أجل إتاحة مساحة أكبر أمام المنتج المحلي وزيادة معدلات تشغيل المصانع، مع تخفيف الضغط على العملة الأجنبية. هذا التصريح يضع جوهر المطلب في صورة قرار سوقي وزمني محدد.
كما يعزز هذا الاتجاه ما أعلنه جمال السمالوطي رئيس غرفة صناعة الجلود باتحاد الصناعات، حين قال إن منطقة تصنيع الأحذية والمنتجات الجلدية في الروبيكي يعمل فيها حاليا نحو 15 مصنعا، مع توقعات بزيادة العدد إلى أكثر من 60 مصنعا بعد عيد الفطر. وهذه الأرقام تعني أن القطاع لا يطلب حماية لكي يبقى فقط، بل لكي يستوعب استثمارات جديدة.
لكن هذا المشهد يكشف في الوقت نفسه أن الحكومة لم تنهِ بعد شروط المنافسة العادلة داخل السوق، لأن مدينة جرى الترويج لها باعتبارها قاعدة للتصنيع ما زالت تطلب حواجز مؤقتة حتى تلتقط أنفاسها. ولذلك يبدو مطلب الوقف المؤقت بمثابة إقرار ضمني بأن السوق لم يُنظم بما يكفي لحماية الاستثمارات التي دخلت الروبيكي بالفعل.
ومن هنا يصبح توسيع حصة المنتج المحلي نتيجة مباشرة للوقف المقترح، لأن تقليص الواردات يفتح الرفوف أمام المصانع الوطنية بدلا من تركها في مواجهة سلع جاهزة تستحوذ على الطلب. كما أن خفض الاعتماد على الخارج يمنح المصانع فرصة لتعويض التراجع السابق، ويقلل خروج النقد الأجنبي المرتبط بعمليات استيراد واسعة للمنتجات النهائية.
التهريب والجمارك والضريبة في قلب الأزمة
ولا يقف الملف عند حدود الاستيراد الرسمي، لأن المستثمرين يربطون بين ركود المبيعات وبين دخول منتجات عبر مسارات غير قانونية أو بأسعار غير عادلة. لذلك تتحول المطالبة بوقف الاستيراد إلى نصف المعالجة فقط، بينما يبقى النصف الآخر مرتبطا برقابة فعلية على المنافذ، وعلى الأسواق التي تستقبل بضائع لا تتحمل الأعباء نفسها التي تتحملها المصانع المصرية.
وفي هذا الإطار، قال أحمد الحسيني عضو مجلس إدارة مركز صناعات الجلود المتطورة إن التصدي لعمليات التهريب وإحكام الرقابة على المنافذ الجمركية يمثلان أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة المحلية، خاصة مع دخول منتجات غير مطابقة للمواصفات وبأسعار غير عادلة. وهذا التوصيف يربط خسائر المصانع مباشرة بخلل تنظيمي وليس فقط بضعف القدرة الإنتاجية.
وبعد ذلك يكتسب موقف الجمارك وزنا خاصا، لأن تنفيذ أي حماية مؤقتة يحتاج جهة قادرة على التفريق بين المنتج النهائي ومستلزمات الإنتاج. وقد قال أحمد أموي رئيس مصلحة الجمارك إن دور الجمارك يتمثل في حماية الصناعة الوطنية وتنظيم الأسواق، مع فرض الرسوم حين توجد صناعة محلية تحتاج إلى الحماية، وخفضها أو إلغائها لمستلزمات الإنتاج عند الحاجة.
وبناء على هذا التصور، فإن مطلب الروبيكي لا ينفصل عن منطق جمركي قائم بالفعل داخل أجهزة الدولة، لكنه يحتاج انتقالا من التصريحات العامة إلى التطبيق الصارم على الأحذية والمنتجات الجلدية تامة الصنع. فالمصنعون لا يطلبون وقف دخول الخامات، بل يطلبون كبح السلع النهائية التي تنافسهم قبل أن تبدأ المصانع المصرية في استرداد تكلفتها.
ثم إن ملف العدالة الضريبية والجمركية يعود بقوة هنا، لأن الصناعة المحلية لا تستطيع تحمل تكاليف مرتفعة في بيئة تسمح لبضائع مهربة أو منخفضة الجودة بالانتشار. ولذلك يصبح ضبط المنافذ، وتكثيف الحملات الرقابية، وتفعيل القوانين المنظمة للأسواق شروطا لازمة لإنجاح أي وقف مؤقت، وإلا تحولت الحماية الرسمية إلى قرار ناقص لا يغيّر موازين البيع فعليا.
من تشغيل المصانع إلى التصدير بعد الاكتفاء
ومع اتساع النقاش، يتجاوز الهدف مجرد وقف واردات الأحذية إلى إعادة توجيه الصناعة نحو قيمة مضافة أعلى داخل مصر. فالمستثمرون يريدون أن يعمل الجلد المصري داخل مصانع مصرية، وأن يتحول من خام أو منتج منخفض القيمة إلى سلعة نهائية تنافس محليا وتصل لاحقا إلى الأسواق الخارجية بعد تحقيق اكتفاء فعلي في السوق الداخلية.
وفي هذا المسار، قال أحمد الجباس نائب رئيس المجلس التصديري للجلود إن تصدير المنتج النهائي يمكن أن يدر على مصر ما يقرب من 10 أضعاف العائد الذي تحققه من تصدير الجلود الخام، كما أوصى بتقديم حوافز استثمارية لعلامات الأحذية الكبرى وتوسيع التصنيع المحلي. هذا التقدير يربط الحماية المؤقتة بهدف تصنيعي وتصديري محدد.
كما أن الجباس أشار إلى أن الطلب العالمي على الجلد المصري قائم، لكن الإنتاج المحلي يظل محدودا بسبب مشكلات الجودة وتوافر الخامات الجيدة، بينما أكد في موضع آخر أن مصانع الدباغة تعمل عند نحو 50% من طاقتها بسبب نقص الجلود المتميزة. لذلك تبدو معركة السوق الداخلي جزءا من معركة أكبر تخص سلسلة الإنتاج كلها.
ومن ثم فإن الحفاظ على استمرارية العمل داخل مراكز التصنيع الكبرى لا يتعلق فقط بحماية استثمار قائم، بل أيضا بحماية فرص العمل المرتبطة به. فكل زيادة في تشغيل المصانع تعني تثبيت عمالة قائمة واستيعاب عمالة جديدة، بينما يعني استمرار تدفق السلع الأجنبية والمهربة بقاء جزء من هذه الطاقة معطلا، وتأجيل أي توسع حقيقي في التشغيل.
وبعد ذلك يصبح التنسيق بين التجارة الخارجية والرقابة على الصادرات والواردات والجمارك شرطا تنفيذيا لا يمكن تجاوزه، لأن القرار المقترح محدد زمنيا حتى ديسمبر، ويحتاج متابعة دقيقة حتى لا تتسرب السلع عبر منافذ بديلة أو مسميات جمركية مختلفة. كما يحتاج السوق المحلي إلى مراقبة تمنع استبدال الفوضى الحالية بفوضى جديدة تحت شعار الحماية.
وفي المحصلة، يكشف طلب الروبيكي عن أزمة أعمق من مجرد منافسة بين المحلي والمستورد، لأن القطاع يطلب من الدولة أن تحمي استثمارا شجعته بنفسها ثم تركته يواجه سوقا مختلة. وإذا كانت الحكومة جادة في دعم الصناعة، فإن الاختبار يبدأ من هذا الملف تحديدا، بوقف منضبط للواردات النهائية، وضرب التهريب، وفتح المجال أمام مصنع محلي يعمل وينتج ويبيع قبل أن يطلب منه أحد التصدير.

