بدأت رواية جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية من نقطة النفي المباشر، حين أعلن في أبريل2026 عدم وجود زيادات في أسعار الأسماك، مع تأكيده أن المعروض متوافر بكميات كبيرة وأن الدولة تتابع الإنتاج والتوزيع لضبط السوق.

 

لكن هذا النوع من البيانات لا يجيب وحده عن السؤال الأساسي عند المواطن، وهو لماذا تتسع الفجوة أصلًا بين الخطاب الرسمي وما يلمسه المستهلك في السوق من تفاوت وارتباك وشك يومي في الأسعار.

 

البيان الرسمي بين النفي والواقع الإنتاجي

 

وأوضح البيان أن وفرة المعروض هي نتيجة جهود مستمرة في تنمية المصايد الطبيعية والمزارع السمكية، وهو طرح يبدو منضبطًا على الورق، لكنه يتجاهل أن الوفرة وحدها لا تعني تلقائيًا استقرار السعر النهائي للمستهلك.

 

فالسوق لا يتحرك بالإنتاج فقط، بل تحكمه أيضًا تكلفة الأعلاف والنقل والتداول وهوامش البيع، وهي عناصر كافية لإفراغ أي بيان رسمي من مضمونه إذا لم تُعرض بالأرقام وبشفافية كاملة.

 

ولفت الدكتور معاطي قشطة، الخبير بمركز البحوث الزراعية، إلى أن مزارع الاستزراع السمكي تنتج نحو ثمانين في المئة من إنتاج مصر من الأسماك، لكنه حذر في فبراير 2026 من أن القطاع نفسه يواجه أعباء مالية وإدارية تهدد استمراره.

 

وهذه الشهادة لا تناقض كلام الجهاز عن وفرة الإنتاج فقط، بل تكشف أن الوفرة المعلنة قد تكون قائمة فوق قطاع مضغوط التكاليف، ما يجعل أي استقرار معلن مؤقتًا وقابلًا للاهتزاز بسرعة.

 

وفي ظل هذا التناقض، يصبح النفي الرسمي أقرب إلى رد إداري على جدل متصاعد، لا إلى تفسير اقتصادي متكامل لحركة السوق.

 

فحين يقال للمواطن إن الأسعار مستقرة بينما تدور شكاوى المنتجين والتجار حول كلفة الإنتاج والتوزيع، فإن الأزمة لا تكون في المعروض فقط، بل في غياب صورة معلنة توضح من يتحمل الفارق بين سعر المزرعة وسعر الحلقة الأخيرة التي يدفعها المستهلك داخل الأحياء والأسواق الشعبية.

 

من يحدد السعر فعلًا داخل السوق

 

ويبين ما يتداول في السوق أن الأزمة ليست فقط في حجم الأسماك المطروحة، بل في آلية انتقالها من المنتج إلى المستهلك.

 

فبوابة الأسعار المحلية والعالمية تعرض أسعارًا مرجعية، بينما تشير تقارير منشورة في مارس 2026 إلى تباين ملحوظ وتحركات طفيفة بين الأصناف داخل سوق العبور والأسواق المحلية.

 

وهذا يعني أن الحديث عن عدم وجود زيادات يحتاج إلى تحديد دقيق، هل المقصود سعر الجملة أم سعر التجزئة أم متوسطات لا تعكس ما يدفعه المواطن فعلًا.

 

وأكد مصطفى جعفر، الذي انتخبته غرفة القاهرة التجارية في 30مارس 2026 رئيسًا للجنة تيسير أعمال شعبة الأسماك، أن وجود تنظيم واضح للشعبة بات ضرورة لإدارة القطاع.

 

ودلالة ذلك أن السوق نفسه لا يزال في حاجة إلى ترتيب تمثيلي وتنظيمي، وهو ما يضعف صدقية أي خطاب مطمئن يتحدث عن انضباط كامل.

 

فإذا كانت الجهة الممثلة للتجار لا تزال تعيد ترتيب بيتها، فمن الطبيعي أن يظل التسعير معرضًا لاجتهادات وممارسات متفاوتة.

 

وفي موازاة ذلك، لا يمكن فصل ملف الأسماك عن المناخ التضخمي الأوسع في مصر، إذ أظهر البنك المركزي أن معدل التضخم الشهري العام في فبراير ٢٠٢٦ بلغ 2.8 في المئة.

 

ومع وجود هذا الضغط العام على الغذاء والنقل والمدخلات، يصبح من الصعب تسويق رواية تقول إن سلعة أساسية مثل الأسماك تتحرك خارج هذا السياق بالكامل.

 

لذلك يبدو النفي الرسمي ناقصًا ما لم يصاحبه كشف واضح لتطور تكلفة الإنتاج والنقل والتجزئة.

 

لماذا لا يطمئن المواطن بسهولة

 

ويرى الدكتور نادر نور الدين، الخبير في شؤون الغذاء، في تصريحات منشورة خلال فبراير ٢٠٢٦، أن موجات الغلاء لا يمكن تبريرها بخطاب فضفاض، وأن تقييم الأسعار يجب أن يستند إلى أسباب حقيقية قابلة للقياس.

 

ومن هذه الزاوية، فإن بيان الجهاز يفقد كثيرًا من قوته لأنه يطلب من الناس الثقة في النتيجة النهائية من دون أن يقدم سلسلة الأسباب والبيانات التي تفسر كيف حُفظت الأسعار رغم ضغوط السوق المعروفة.

 

وأشار الجهاز نفسه في بياناته الأخيرة إلى مشاركته في مبادرات لطرح الأسماك بأسعار مخفضة، كما تحدثت تقارير تحليلية عن أن الأعلاف تمثل نسبة ضخمة من تكلفة الإنتاج في الاستزراع السمكي.

 

وهذه الخلفية تعني أن الدولة تدرك وجود مشكلة سعرية تحتاج تدخلًا، لا مجرد نفي إعلامي.

 

ولو كان الاستقرار محسومًا كما يقال، لما احتاج السوق أصلًا إلى مبادرات استثنائية ولا إلى شكاوى متكررة من المنتجين بشأن كلفة التشغيل.

 

وفي ظل هذا كله، لا تبدو المشكلة في أن الجهاز أصدر بيانًا، بل في أن البيان جاء باعتباره خاتمة للنقاش قبل أن يكون بدايته.

 

فالمواطن لا يريد جملة تطمينية، بل يريد معرفة سعر المزرعة وسعر الجملة وسعر التجزئة، ونسبة تكلفة العلف، وحجم الفاقد، وأسباب الفروق بين المحافظات.

 

وعندما تغيب هذه العناصر، يتحول النفي الرسمي إلى صياغة دفاعية لا تزيل الشك بقدر ما تؤجل الانفجار التالي في الجدل العام.

 

وختامًا، فإن أخطر ما في هذا الملف ليس احتمال ارتفاع سعر هنا أو هناك، بل إصرار الخطاب الرسمي على الاكتفاء بالنفي بدل المكاشفة.

 

فالسوق لا يستقر بالبيانات وحدها، وإنما يستقر حين تعترف الدولة بتكلفة الإنتاج، وتكشف حلقات التسعير، وتحاسب من يرفع السعر بلا مبرر، وتدعم المنتج الصغير قبل أن تطالب المستهلك بالتصديق.

عندها فقط يصبح البيان خبرًا موثوقًا، لا مجرد محاولة جديدة لتهدئة غضب يعرف أسبابه جيدًا.