يعد باسم عودة واحدًا من أكثر الوجوه التي أثارت الإلهام في المجال العام المصري بعد ثورة يناير، ليس فقط لأنه شغل وزارة التموين في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الدولة الحديثة، بل أيضًا لأن مساره جمع بين الجامعة والعمل الدعوي والتنظيم الحزبي والمسؤولية التنفيذية في وقت قصير نسبيًا. فقد انتقل من موقع الأستاذ الجامعي المتخصص في الهندسة إلى واجهة المشهد السياسي، ثم أصبح خلال شهور قليلة من الأسماء الأكثر تداولًا في ملفي الوقود والسلع التموينية، قبل أن ينتهي به المسار إلى الاعتقال والمحاكمات الجائرة والسجن.
وتكتسب قصته وزنًا خاصًا لأن الرجل لم يكن مجرد اسم ضمن قائمة مسؤولين سابقين، بل كان من أكثر الوجوه التنفيذية حضورًا في الشارع خلال النصف الأول من 2013 بفعل انشغاله بملفي الخبز والوقود. لكن هذا الحضور نفسه تحول بعد عزله من الوزارة إلى عبء سياسي وأمني، خصوصًا بعد رفضه التعاون مع السلطة الجديدة، وهو ما وضعه في مسار قمعي امتد من الاعتقال في 12 نوفمبر 2013 إلى أحكام جماعية قاسية، بينها المؤبد، مع شكاوى متكررة من أسرته ومنظمات حقوقية بشأن ظروف احتجاز قاسية وإضرابات عن الطعام وتضييق ممتد على الزيارة والرعاية الطبية.
من الجامعة والعمل العام إلى لحظة القطيعة مع السلطة الجديدة
ولد باسم كمال محمد عودة عام 1970، وعمل أستاذًا في قسم الهندسة الحيوية الطبية والمنظومات بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى المجال العام عبر العمل التنظيمي والخدمي المرتبط بحزب الحرية والعدالة بعد ثورة يناير. وقد تولى مواقع تنظيمية وخدمية عدة، من بينها رئاسة لجنة التنمية المحلية في الحزب، كما ارتبط اسمه بحملات خدمية وشعبية واسعة، وهو ما منحه حضورًا مبكرًا يتجاوز الإطار الأكاديمي الضيق.
ثم تعزز حضوره السياسي عندما ارتبط اسمه بخطة المئة يوم في عهد الرئيس محمد مرسي، خصوصًا في ملف الطاقة والوقود، قبل أن يتولى وزارة التموين والتجارة الداخلية في 10 يناير 2013. وخلال أقل من ستة أشهر في الوزارة أصبح من أكثر الوزراء تداولًا في المجال العام بسبب الاحتكاك المباشر مع حياة الناس اليومية، إذ ارتبط اسمه بمحاولات تخفيف أزمات الوقود والخبز، وهو ما صنع له شعبية ملحوظة في أوساط اجتماعية رأت فيه وزيرًا حاضرًا في الشارع لا في المكاتب فقط.
لكن المنعطف الحاسم في سيرته لم يكن دخوله الوزارة بل خروجه منها. فبعد انقلاب 3 يوليو 2013 لم ينخرط باسم عودة في السلطة الجديدة، ولم يعمل مع عبد الفتاح السيسي، بل جرى تداوله ضمن الأسماء التي رفضت إضفاء شرعية على المسار الجديد بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي مرسي. وهذا الرفض لم يكن تفصيلًا سياسيًا عابرًا، لأنه وضعه مبكرًا في خانة الخصومة المباشرة مع النظام الجديد، وحوّل الوزير السابق إلى هدف أمني وقضائي في سياق الحملة الأوسع التي طالت قيادات ورموزًا في جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة وكل من رفض الاعتراف بالانقلاب أو التكيف معه.
الاعتقال بعد رفض الانقلاب ثم سيل القضايا والأحكام الجماعية
في هذا السياق ألقت قوات الأمن القبض على باسم عودة يوم 12 نوفمبر 2013 في وادي النطرون بمحافظة البحيرة، بعد نحو أربعة أشهر من الانقلاب، لتبدأ منذ ذلك التاريخ رحلة طويلة من الحبس والمحاكمات. ومنذ لحظة القبض عليه لم يكن الرجل يواجه قضية واحدة محددة بقدر ما وجد نفسه داخل نمط واسع من القضايا الجماعية ذات الطابع السياسي، وهي القضايا التي وصفتها منظمات حقوقية دولية بأنها تفتقر إلى معايير العدالة، خصوصًا حين ارتبطت بأحداث رابعة وما بعدها.
وأبرز هذه القضايا كانت قضية “غرفة عمليات رابعة”، وهي القضية التي أصدرت فيها محكمة جنايات القاهرة في أبريل 2015 أحكامًا مشددة بحق عشرات المتهمين. كما لاحقته قضية “فض اعتصام رابعة”، وهي واحدة من أوسع المحاكمات الجماعية في التاريخ القضائي المصري الحديث، إذ شملت 739 متهمًا، وصدر فيها في سبتمبر 2018 عدد ضخم من أحكام الإعدام والمؤبد والسجن المشدد. وقد وصفت منظمة العفو الدولية هذه المحاكمة بأنها “صورية جماعية”، بينما اعتبرت هيومن رايتس ووتش أنها محاكمة جماعية جائرة.
وبالأرقام، أصدرت محكمة جنايات القاهرة في قضية فض رابعة خلال سبتمبر 2018 أحكامًا بالإعدام على 75 شخصًا، والمؤبد على 47، وأحكامًا أخرى تراوحت بين 5 سنوات و15 سنة بحق مئات المتهمين. ثم أيدت محكمة النقض في 14 يونيو 2021 الأحكام النهائية على عدد من المتهمين في القضية، وبينهم باسم عودة الذي استقر الحكم عليه بالمؤبد في هذا المسار القضائي. وإلى جانب ذلك، تشير تقارير صحفية وحقوقية إلى صدور أحكام أخرى بحقه في قضايا مرتبطة بأحداث ما بعد الانقلاب، وهو ما جعل سنوات سجنه لا ترتبط بعقوبة منفردة بل بسلسلة أحكام متراكبة صدرت في سياق قضائي شديد التسييس بحسب توصيفات حقوقية.
ثم أضيف إلى ذلك قرار آخر زاد من تقييد وضعه القانوني عندما قررت محكمة جنايات القاهرة في 27 ديسمبر 2022 إدراجه على قائمة الإرهاب لمدة خمس سنوات مع أربعة آخرين. وهذا القرار رتب آثارًا إضافية تتجاوز السجن نفسه، من بينها القيود القانونية المرتبطة بالمنع من السفر وتجميد الأموال وسقوط بعض الحقوق المدنية، وهو ما يعكس أن استهدافه لم يتوقف عند الأحكام الأصلية بل امتد إلى أدوات قانونية موازية تستخدمها الدولة لتوسيع العقوبة على الخصوم السياسيين.
الانتهاكات بعد الاعتقال من الحبس المطول إلى العزل والإضراب والاعتداءات
لكن ملف باسم عودة لا يكتمل بالحديث عن القضايا والأحكام وحدها، لأن مسار احتجازه نفسه شهد ادعاءات وشكاوى متكررة عن انتهاكات جسيمة. فقد تناول رأي صادر عن الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة في 2018 قضيته ضمن قضايا أخرى، وخلص إلى أن احتجازه يندرج ضمن أنماط الاحتجاز التعسفي المخالفة للالتزامات الدولية لمصر، وهو تطور مهم لأن القضية هنا خرجت من نطاق الجدل السياسي المحلي إلى مستوى أممي حقوقي موثق.
كما أطلقت منظمة العفو الدولية نداءات تتعلق بظروف احتجازه، وتحدثت تقارير حقوقية عن أوضاع وُصفت بأنها غير إنسانية، بينها الحرمان من الرعاية الطبية الملائمة والتضييق على الزيارة والاستمرار في الحبس في ظروف قاسية. وفي السياق نفسه، وصفت هيومن رايتس ووتش المحاكمات التي ارتبط بها، ولا سيما محاكمة فض رابعة، بأنها محاكمات جماعية جائرة، وهو توصيف مهم لأنه لا يفصل بين الحكم القضائي وظروف القمع الأشمل التي أحاطت بالملف من بدايته.
ثم تصاعدت الشكاوى في السنوات الأخيرة مع تقارير عن إضرابه عن الطعام احتجاجًا على أوضاع احتجازه في سجن بدر 3، ومع اتهامات بتعرضه لاعتداء جسدي ولفظي داخل السجن لإجباره على إنهاء الإضراب. وقد نقلت تقارير صحفية وحقوقية هذه المزاعم، بينما نفت وزارة الداخلية المصرية تلك الروايات. ولذلك فإن الصياغة الدقيقة هنا هي أن الانتهاكات المبلغ عنها شملت، وفق أسرته وجهات حقوقية وتقارير صحفية، الإهمال الطبي والتضييق على الزيارة والعزل والإضراب عن الطعام والاعتداء البدني المزعوم، في حين أنكرت الداخلية هذه الاتهامات رسميًا.
وبعد أكثر من 11 عامًا خلف القضبان، ظلت زوجته وعائلته تتحدث عن قيود قاسية على التواصل والزيارة، بينها فترات طويلة لم تتمكن خلالها أسرته من رؤيته بصورة طبيعية. وهذا البعد الإنساني ليس تفصيلًا ثانويًا، لأنه يكشف أن العقوبة لم تقتصر على سلب الحرية بل امتدت إلى إنهاك الأسرة واستنزافها نفسيًا ومعيشيًا على مدى سنوات، وهو ما جعل قضية باسم عودة في نظر أنصاره وقطاع من المدافعين عن حقوق الإنسان عنوانًا لمعادلة أوسع تقوم على العقوبة السياسية الممتدة لا على تنفيذ حكم قضائي مجرد.
خاتمة
هكذا تبدو سيرة باسم عودة أوضح حين تُقرأ من زاوية موقفه بعد 3 يوليو لا من زاوية منصبه الوزاري فقط. فالرجل لم ينته إلى السجن لأنه كان وزير تموين سابقًا، بل لأنه كان وزيرًا سابقًا رفض الانقلاب ولم يعمل مع السلطة الجديدة، فدخل بعدها في ماكينة قضايا جماعية وأحكام قاسية واحتجاز طويل شابته، بحسب منظمات حقوقية وأسرته، انتهاكات متعددة. ولذلك فإن سيرته العلمية والدعوية والسياسية لا تنفصل عن هذه اللحظة الفاصلة التي نقلته من رجل دولة إلى سجين سياسي في نظر مؤيديه وقطاع واسع من المتابعين الحقوقيين.

