علي باكير

كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران

 

لا يحلل هذا المقال التطورات التي تجري في الحرب الأمريكي ـ الإسرائيلية ضد إيران على المستوى اليومي أو التكتيكي، وإنما ينظر إلى الكلّيات، ويحاول أن يستشرف النتيجة النهائية لهذه الحرب وتداعياتها استنادا إلى مجريات الاحداث التي حصلت حتى الآن من خلال تقدير المسار العام لما ستؤول إليه الأمور.

 

وبهذا المعنى، فإنّ المسار العام لا يأخذ بعين الاعتبار أي تفاصيل نظرية محتملة مستقبلا كأن يقرر الجانب الأمريكي على سبيل المثال تحرّكاً برّياً، أو في حال حصول خسائر بشرية أو استراتيجية كبرى لكل من واشنطن وتل أبيب، وإنما يبني على المعطيات الموجودة حالياً والتي تخلو من هذه الوقائع.

 

علاوة على ذلك، يتجاهل المقال سرديات جميع الأطراف المنخرطة بشكل رئيسي في الحرب والتي غالباً ما تكون غير واقعية ومخصصة لجمهور معيّن. في الحروب، يتم الانتقال عادة إلى سرديات تتماشى مع وتيرة الحرب، وتهدف إلى تعبئة العامة وإلى الحشد، ويتخللها الكثير من المعلومات غير الصحيحة والمضللة والمفبركة..الخ. وحتى لا نذهب بعيداً، فإنّ نظرة خاطفة مثلاً على تغطية الصحافة المصرية لمجريات الحروب التي خاضتها مصر سابقاً تعطي فكرة واضحة عن الموضوع.  وبعيداً عن هذه النقطة، وبالعودة إلى الحرب الدائرة اليوم وتداعياتها ـ للمفارقة لم يعلن أي طرف حتى هذه اللحظة أنّه في حالة حرب بشكل رسمي ـ وكيف سيكون عليه الوضع في اليوم التالي للحرب، أرى أنّنا سنخرج بثلاثة نتائج رئيسية.

 

أولاً، ستخرج إيران من الحرب أضعف ممّا كانت عليه حينما دخلتها. في الحقيقة، ستكون إيران في وضع ضعيف للغاية لم يسبق لها أن شهدت مثله منذ الثورة الإيرانية عام 1979. من الناحية السياسية ستكون أكثر عزلة من ذي قبل لاسيما على المستوى الإقليمي. خيار إيران استهداف جيرانها دون مبرر حقيقي عوضاً عن التركيز على الرد على المعتدين (إسرائيل وأمريكا)، سيرتد بشكل سلبي عليها. دول مثل قطر وسلطنة عُمان كانت قد استثمرت لسنوات طويلة في هذه العلاقة وتحمّلت الكثير من الضغوط والخسائر لتبقي العلاقات جيدة مع طهران. لكن مع استهدافهم، سيكون هناك إعادة نظر في هذه العلاقة ولن يكونوا منفتحين بالشكل الذي كانوا عليه سابقاً.

 

من الناحية العسكرية، فإنّ قدرات إيران العسكرية التقليدية الرئيسية ستكون على الأرجح غير موجودة إلى حد بعيد. قبيل الدخول في هذه المعركة كانت هذه القدرات التقليدية تعاني من مشاكل عديدة لسنوات طويلة. لكن بعد الحرب، كثير من هذه القدرات لن يكون موجوداً بالفعل، كالقدرات الجوية والقدرات البحرية والقدرات المتعلقة بانظمة الدفاع الجوي، والمقرات الأساسية والرئيسية للحرس الثوري بل وحتى الصواريخ والمسيرات التي تعتبر عماد القدرات العسكرية الإيرانية ستكون في حالة استنزاف شديد في أحسن الأحوال.

 

علاوة على ذلك، فإنّ أذرع إيران الإقليمية التي تلقت ضربات شديدة في عام 2024 و2025 أفقدتها فعاليتها ودورها الرئيسي كحام لإيران، ستكون في حالة يرثى لها على افضل تقدير ومن دون أي شرعية داخلية في البلدان التي تعمل فيها. أمّا من الناحية الاقتصادية، فستكون إيران في أسواء أحوالها خاصة اذا ما بقيت العقوبات قائمة عليها في ظل الحاجة الماسة إلى إعادة إعمار ما تمّ تدميره ومحاولة النهوض باقتصاد البلاد المتعثر منذ عقود، وإلا قد يواجه النظام حينها اضطرابات داخلية غير مسبوقة على وقع سوء الأحوال الاقتصادية.

 

ثانياً، بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، فستواصل انحدارها كقوة عالمية وهو الانحدار الذي بدأته مع ضربات 11 سبتمبر 2021، وغزوها لأفغانستان والعراق. نجاح إسرائيل في جر أمريكا إلى هذه الحرب ساهم في تسريع تقويض القانون الدولي والمنظمات الدولية، كما أسهم أيضا في تعميق أزمة الثقة والخلافات بين أمريكا وحلفائها حول العالم وإن بدا عليه الأمر غير ذلك من الناحية الشكلية. الولايات المتّحدة أضعفت نفسها امام الصين والآخرين وإن حققت الانتصار في وجه ايران لاحقاً.

 

هناك الكثير من الدروس والعبر التي ستستفيد منها قوى أخرى كالصين في أي حرب مرتقبة مستقبلاً. أما وضع واشنطن الاقتصادي، فهو كالثقب الأسود الذي يبتلع كل شيء، وقد أضافت هذه الحرب مئات المليات من الدولار إلى ديونها التريليونية. عندما تنتهي الحرب، سيزداد الاستقطاب الداخلي والانقسام المجتمعي في الولايات المتّحدة، كما قد تعود ملفات أخرى إلى الواجهة مجدداً كفضائح ملفات ابستين التي استنزفت الداخل الأمريكي قبل أن يقرر الرئيس فجأة الانجرار إلى حرب إسرائيل.

 

ثالثاً، أمّا إسرائيل، فستكون الرابح الأكبر ليس لأنّها دمرت الى حد كبير أذرع إيران، وكذلك قدرات إيران السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والنووية، بل لأنها وحتى كتابة هذا المقال لا تزال تخترق البنية التحتيّة للنظام الإيراني والدولة الإيرانية والمجتمع الإيراني بالعملاء الذين يعود لهم الفضل في تحقيق ما أنجزته إسرائيل حتى الساعة بأقل التكلفة وأعلى التأثير. فضلاً عن ذلك، لم تخسر إسرائيل الكثير، إذ أنّها حاربت بسيف واشنطن السياسي والاقتصادي وحتى العسكري. سيؤدي هذا النوع من الحروب عند نهايته إلى حالة تضخّم لدى الجانب الإسرائيلي بحيث سيعتقد الإسرائيلي أنّ الأرضية أصبحت مهيأة له تماماً لاستكمال المهمّة وفرض الهيمنة الكاملة على المنطقة.

 

ستولي إسرائيل أهميّة كبرى عند نهاية الحرب لتوسيع نطاق الاتفاقات الإبراهيمية من جهة ومحاصرة ما تبقى من دول إقليمية كبرى على رأسها تركيا. هذا النوع من الغطرسة سيؤدي حتماً في مرحلة ما إلى خطأ قاتل في الحسابات. سيكون على إسرائيل كذلك أن تواجه حقيقة أنّها أصبحت مكروهة لدى معظم الأمريكيين، وهو تحول كبير يجب ألاّ يتم التقليل من شأنه على اعتبار أنّ واشنطن هي ما يبقي إسرائيل على قيد الحياة في الإقليم. وبالنسبة إلى كثير من الأمريكيين الأن، اصبح واضحاً أن هناك شيء غير مفهوم في العلاقة بين أمريكا وإسرائيل يجعل الأولى رهينة للثانية، وهو ما يجب التخلص منه. أعتقد أنّ هذا التوجه سيزداد ويكبر مستقبلاً وقد يشكّل تحولاً في طبيعة هذه العلاقة وينعكس بشكل سلبي على إسرائيل.