فجّر نائب رئيس شرطة دبي، ضاحي خلفان، موجة غضب جديدة بعد دعوته دول الخليج إلى توثيق التعاون مع إسرائيل، في توقيت إقليمي شديد الحساسية، ومع استمرار الحرب على غزة واتساع التوتر في المنطقة.
التصريح لم يُقرأ كتغريدة عابرة، بل كامتداد لخطاب تطبيعي يتجاوز تبرير العلاقة مع الاحتلال إلى التحريض على دول عربية وإقليمية، وفي مقدمتها مصر التي تتمسك علنًا بخيار التهدئة والحوار لا الاصطفاف في حرب مفتوحة.
ما قاله خلفان لم يكشف قوة هذا الخطاب، بل كشف انحداره وعزلته عن المزاج الشعبي العربي.
فالعلاقات الإماراتية الإسرائيلية لم تتراجع رغم حرب غزة، بل تعمقت سياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا، بينما بقي الرفض الشعبي قائمًا ومتزايدًا في الخليج والمنطقة.
تطبيع يتجاوز السياسة إلى معاداة المجال العربي
كتب ضاحي خلفان، في تغريدة أثارت عاصفة من الردود، دعوة صريحة إلى أهل الخليج لتوثيق التعاون مع إسرائيل، مقرونة بعبارة هجومية ضد دول المنطقة كلها تقريبًا. هذه الصياغة لم تلمّع الاحتلال فقط، بل نقلت الخصومة من خلاف سياسي إلى محاولة إعادة تعريف العدو والصديق داخل الوعي الخليجي والعربي.
يا أهل الخليح العربي...وثقوا التعاون مع اسرائيل..نصيحة..لا خير في دول المنطقة البته.
— ضاحي خلفان تميم (@Dhahi_Khalfan) March 24, 2026
خطورة التغريدة لا تأتي من مضمونها المباشر فقط، بل من السياق الذي خرجت فيه. الباحث جورجيو كافييرو يوضح أن الإمارات، بعد 5 سنوات على اتفاقات أبراهام، لم تكتفِ بالحفاظ على العلاقة مع إسرائيل، بل عمّقتها لأنها ترى فيها قيمة استراتيجية وتكنولوجية واقتصادية أكبر من كلفتها الأخلاقية والسياسية، رغم الغضب الشعبي المتصاعد في الخليج والمنطقة. هذا يعني أن خطاب خلفان لا يخرج من فراغ، بل يعكس مناخًا رسميًا يعتبر التطبيع أصلًا ثابتًا لا عبئًا طارئًا.
الأكثر دلالة أن كافييرو نفسه أشار إلى أن شخصيات إماراتية بارزة كانت قد أعادت تقييم خطابها السابق بشأن التطبيع بعد حرب غزة، بل إن خلفان نفسه كتب في مطلع 2024 أن قادة إسرائيل لا يستحقون الاحترام. لذلك فإن عودته الآن إلى دعوة الخليج لتوثيق التعاون مع الاحتلال تكشف ارتدادًا سياسيًا وأخلاقيًا، لا مجرد تبدل في لهجة التصريحات.
وفي موازاة ذلك، ربطت تقارير وتحليلات عدة بين استمرار التطبيع الإماراتي وبين رهانات أمنية وعسكرية أوسع، لا مجرد علاقات دبلوماسية أو تجارية.
فإلهام فخرو، في دراستها عن اتفاقات أبراهام، تخلص إلى أن الاتفاقات لم تكن مشروع سلام بقدر ما كانت تقاربًا فرضته حسابات الأمن والمصالح الاقتصادية، مع بقاء الاستجابة الشعبية في الخليج سلبية في مجملها. هذا يفسر لماذا تبدو تغريدة خلفان أقرب إلى خطاب فوقي يصادم الشارع، لا يعبر عنه.
الغضب الشعبي يرفض تلميع الاحتلال ويكشف عزلة الخطاب الرسمي
الردود على خلفان جاءت سريعة وحادة. كتب أبو ميشيل أن لا خير في من هاجمهم خلفان، ولا خير فيه هو أيضًا، في رد يعكس رفضًا مباشرًا لتحويل إسرائيل إلى شريك موثوق، ولتحويل العرب إلى متهمين جماعيًا.
لاخير فيهم ولا خير فيك
— 🇸🇦Abu mishal 🇸🇦 (@mjhol889) March 24, 2026
وكتب علاء أن ما صدر يمثل ذروة العمالة السياسية، في تعبير غاضب يربط التطبيع بالتبعية لا بالمصلحة، ويرى في هذا النوع من الخطاب سقوطًا أخلاقيًا لا مجرد اجتهاد سياسي.
هل يوجد عماله اكثر من هيج سود الله وجوهكم اكثر من ما هيه عليه pic.twitter.com/D2WMUikVoL
— Alaa Al Jubouri (@alaajassim92) March 24, 2026
أما أحمد حفصي فذهب إلى مقارنة حادة بين دعوة خلفان إلى التحالف مع إسرائيل، وبين خطاب إيراني يتحدث عن اتحاد أمني إقليمي من دون الولايات المتحدة وإسرائيل.
بينما كان #ضاحي_خلفان يدعو باسم #الإمارات دول الخليج للتحالف مع إسرائيل
— أحمد حفصي || HAFSI AHMED (@ahafsidz) March 25, 2026
🛑في رسالة باللغة العربية.. للتاريخ
المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي إبراهيم ذو الفقار يخطاب العالم العربي والإسلامي:
🛑 «حان وقت إقامة اتحاد أمني دون الولايات المتحدة وإسرائيل.»
🛑« العدوان… pic.twitter.com/V0CRZ9YAhD
كما عاد في تغريدة أخرى لمهاجمة خلفان بوصفه واجهة لخطاب إماراتي معادٍ لمصر ومتصالح مع أولويات الأمن الإسرائيلي أكثر من أي اعتبار عربي آخر.
المجنس البلوشي الهندي #ضاحي_خلفان 🇮🇳يطالب دول #الخليج بتوثيق التعاون مع «#إسرائيل» نكاية في دول عربية أدارت ظهرها للإمارات ولم تحارب #إيران بالوكالة عن مرتزقة عيال زايد !
— أحمد حفصي || HAFSI AHMED (@ahafsidz) March 24, 2026
ضاحي خلفان صاحب مقترح تفكيك مصر 🇪🇬حفاظًا على أمن إسرائيل بسبب كثافة مصر السكانية وجوارها للاحتلال ..يبرز… pic.twitter.com/suIUGUX7B7
هذا الغضب الشعبي ليس مفاجئًا. الصحفي الكويتي جاسم الجريد قال إن ممانعة الشارع الخليجي والعربي تظل عقبة حقيقية أمام صانعي القرار في ملف التطبيع، لأن الرفض متجذر تاريخيًا ودينيًا وسياسيًا، ولأن الأنظمة تخشى أن يتحول الاستياء الشعبي إلى عبء على الشرعية والاستقرار. معنى ذلك أن خطاب خلفان لا يفتح أفقًا سياسيًا، بل يضغط على جرح مفتوح تعرفه الأنظمة جيدًا وتحاول إدارته لا حله.
وفي الاتجاه نفسه، كتب عيسى بن علي أن ما يبشر به خلفان ليس أمنًا للخليج بل استدعاء مباشر للخطر إلى الداخل، محذرًا من أن التموضع مع إسرائيل لا يطفئ النار بل يوسعها.
ضاحي خلفان يبشر باسرائيل الكبرى !!
— عيسى بن علي المُـــلا-Media (@issalmulla) March 25, 2026
من "صفقة القرن" إلى ٧ أكتوبر،وصولاً للحرب التي شنها الكيان المحتل مع الأمريكان "على" الخليج بقبول الضربات كثمن جانبي ضمن معادلة أكبر، كل شيء كان يُمهَّد له!!هذا التموضع هو استدعاء رأس الشر للخليج ونقل الخطر المطلق للداخل "ومن يتولهم منكم فإنه…
كما تساءلت رانيا عمّا إذا كان حكام الخليج سيأخذون بهذه النصيحة أصلًا.
عاجل | نائب رئيس شرطة دبي ، ضاحي خلفان :
— Rania Souriti (@RSouriti) March 25, 2026
" يا أهل الخليج ، وثقوا التعاون مع إسرائيل ، نصيحة .. لا خير في دول المنطقة البته " .
قولكم : حكام الخليج رح يسمعوا منه 🤔🤔 pic.twitter.com/GHM6Xast4T
بينما كتب حساب باسم قطر أن لا ثقة في إسرائيل ولا في ضاحي خلفان، واضعًا الرجل والاحتلال في خانة واحدة.
لا الوثوق في اسرائيل ولا في ضاحي خلفان الاثنين صهاينه
— qatar@1966 (@qatar19662) March 25, 2026
الهجوم على مصر يكشف مأزق التطبيع لا قوته
اللافت أن السجال لم يقف عند حدود إسرائيل، بل تمدد إلى الهجوم على مصر بسبب موقفها الداعي إلى الحوار وخفض التصعيد في الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. هذا الربط يكشف أن بعض الأصوات الإماراتية لا تريد فقط تبرير التطبيع، بل تريد أيضًا معاقبة كل موقف عربي يرفض الاندماج في محور الحرب. هنا تصبح القضية أكبر من تغريدة. تصبح محاولة ضغط سياسي وإعلامي لإعادة فرز المنطقة بين من يلتحق بالمشروع الإسرائيلي ومن يرفضه.
هذا الفهم تدعمه خلاصات إلهام فخرو أيضًا. فجوهر اتفاقات أبراهام، كما تعرضه، أنه تأسس على فرضية أمنية تخدم النخب الحاكمة وتهمش الفلسطينيين وتتعامل مع التطبيع كمدخل لإعادة تشكيل الإقليم وفق توازنات القوة، لا وفق أولويات العدالة أو التوافق الشعبي.
لذلك فإن استهداف مصر أو غيرها بسبب تمسكها بالحوار ليس تفصيلًا جانبيًا، بل جزء من منطق يرى أن من لا يساير هذا المسار يجب التشهير به أو اتهامه بالتقصير.
في هذا المناخ، جاءت ردود أخرى أكثر حدة. كتب الشاذلي أن هناك من ينكر تصريحات خلفان كما أُنكر غيرها من قبل، رابطًا ذلك بسياسات إماراتية إقليمية مثيرة للغضب.
وعادي يجي اماراتي غبي ينكر م قالو ضاحي خلفان ذي م نكرو افعالهم ف السودان ب اعتراف حكومة الامارات محاربة الاخوان ويقتلو الاطفال ب اسم الاخوان... اللهم دمرهم جميعا حكومة وشعب اوسخ ناس اقسم بالله ومنافقين اللهم انتقم منهم https://t.co/M0MERSXL3q
— الشاذلي معمر (@AlshadhlyM44251) March 25, 2026
وكتب الباجوري أن خلفان فقد صوابه وأن العمالة صارت عنده أمرًا عاديًا.
ضاحى خلفان فقد صوابه خلاص
— Elbagory25 (@elbagory25) March 25, 2026
جاب آخره
والتخريف والعماله أصبحوا شىء عادى
أما يوسف فتجاوز حدود النقد ودعا إلى إيذائه، وهو انزلاق يعكس حجم التوتر والغضب، لكنه يكشف أيضًا أن الخطاب التطبيعي لا ينتج نقاشًا سياسيًا، بل يدفع الساحة إلى مزيد من الاحتقان والانفجار اللفظي.
حد يشيل ضاحى خلفان ويرميه فى اسرائيل او يربطه فى صاروخ ايرانى متوجه الى اسرائيل
— uosof ebrahim (@UosofFetoh) March 25, 2026
الخلاصة أن تغريدة ضاحي خلفان لم تقنع أحدًا بجدوى التطبيع، بل عرّت مأزقه.
فهي صدرت في لحظة يتراجع فيها الدعم الشعبي العربي لاتفاقات أبراهام، بينما تواصل الإمارات تعميق علاقاتها مع إسرائيل رغم الكلفة الأخلاقية والسياسية المتصاعدة.
لهذا بدا الرجل كمن يهاجم الجوار ليستر هشاشة حجته الأساسية: أن الاحتلال يمكن أن يكون شريكًا موثوقًا في منطقة لم يجلب لها، منذ 2020 حتى مارس 2026، سوى مزيد من الدم والابتزاز والتفكك.

