يشهد سوق الذهب في مصر حالة تباين واضحة مع الاتجاهات العالمية، حيث تواصل الأسعار المحلية التحرك في مسار مختلف مدفوعًا بعوامل داخلية، أبرزها سعر الصرف وحالة الترقب. يأتي ذلك رغم تراجع الأسعار عالميًا بشكل حاد، ما خلق فجوة تسعير متنامية تطرح تساؤلات حول آليات التسعير داخل السوق المحلية.

 

فجوة التسعير تضغط على السوق المحلية

 

كشفت بيانات منصة «آي صاغة» عن استمرار الفجوة بين أسعار الذهب في مصر ونظيرتها العالمية، حيث يصل الفارق إلى نحو 327 جنيهًا للجرام وفقًا لسعر الصرف الرسمي. هذا الفارق يعكس خللًا واضحًا في آليات التسعير، خاصة مع ارتباط السوق المحلية بعوامل غير مباشرة بالسوق العالمية.

 

ورغم هذا الارتفاع، تسود حالة من الهدوء النسبي داخل السوق، مع تراجع ملحوظ في عمليات البيع والشراء. المستهلكون يفضلون الترقب، انتظارًا لانخفاض محتمل في الأسعار، ما أدى إلى تباطؤ حركة التداول داخل محال الصاغة.

 

يقول نادي نجيب، سكرتير شعبة الذهب سابقًا، إن “السوق المحلية لم تعد تتحرك فقط وفق السعر العالمي، بل أصبحت رهينة لسعر الدولار وتكلفة الاستيراد”، مشيرًا إلى أن الفجوة الحالية “تعكس ضغوطًا داخلية أكثر من كونها انعكاسًا مباشرًا للسوق الدولية”.

 

ويضيف أن استمرار هذا الفارق قد يؤدي إلى مزيد من الركود، خاصة مع تراجع القوة الشرائية، ما يجعل الأسعار المرتفعة غير قابلة للاستدامة على المدى المتوسط.

 

طلب حذر وتراجع في نشاط الصاغة

 

يعكس سلوك المستهلكين حالة حذر واضحة، حيث يتجه كثيرون إلى تأجيل قرارات الشراء، في ظل توقعات بهبوط الأسعار خلال الفترة المقبلة. هذا الترقب أصبح عاملًا رئيسيًا في تشكيل حركة السوق خلال الفترة الحالية.

 

انعكس هذا الاتجاه مباشرة على نشاط محال الصاغة، التي سجلت انخفاضًا في الطلب مقارنة بفترات سابقة شهدت نشاطًا ملحوظًا، خاصة خلال مواسم الشراء التقليدية. التراجع لم يقتصر على المشغولات، بل امتد أيضًا إلى الجنيهات والسبائك.

 

من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالمطلب عبدالنبي أن “الطلب الاستهلاكي على الذهب يتأثر سريعًا بتوقعات الأسعار”، مؤكدًا أن “مجرد الحديث عن تراجع محتمل يدفع المستهلكين للانتظار، وهو ما يضغط على السوق ويقلل السيولة”.

 

ويشير إلى أن هذا السلوك قد يطيل أمد الركود النسبي، خاصة إذا استمرت الفجوة بين السعر المحلي والعالمي دون تصحيح واضح، ما يعمق حالة عدم اليقين لدى المتعاملين.

 

في المقابل، تتجه شريحة من المستثمرين إلى التعامل بحذر، مع تقليل عمليات الشراء الكبيرة، والتركيز على السيولة، تحسبًا لأي تغيرات مفاجئة في السوق خلال الفترة المقبلة.

 

تحوط التجار وهبوط عالمي يعمّق الارتباك

 

على مستوى التجار، تتجه شركات وتجار الذهب الخام إلى تبني سياسات تحوطية، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات سعر الصرف. يأتي ذلك مع عودة البنوك للعمل بشكل طبيعي، وما يصاحبها من توقعات بتحركات جديدة في سعر العملة.

 

هذا التحوط يعكس مخاوف من ارتفاع محتمل في الأسعار، ما يدفع التجار إلى تأمين مراكزهم المالية لتفادي خسائر مفاجئة، خاصة في ظل سوق تتسم بعدم الاستقرار.

 

وفيما يتعلق بالأسعار، سجل الذهب في السوق المحلية مستويات مرتفعة، حيث بلغ عيار 24 نحو 7885 جنيهًا للجرام، وعيار 21 حوالي 6900 جنيه، وعيار 18 نحو 5915 جنيهًا، وعيار 14 قرابة 4600 جنيه، بينما وصل سعر الجنيه الذهب إلى 55200 جنيه.

 

على الصعيد العالمي، تعرض الذهب لخسائر حادة خلال الأسبوع الماضي، حيث تراجعت الأوقية بنحو 524 دولارًا لتسجل حوالي 4497 دولارًا، في واحدة من أكبر الانخفاضات الأسبوعية منذ عقود.

 

يرى الخبير في أسواق المال الدكتور هاني جنينة أن “التراجع العالمي يرتبط بعمليات بيع لتغطية خسائر في أصول أخرى، خاصة مع تقلبات أسواق الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية”، مشيرًا إلى أن الذهب “لم يعد الملاذ الوحيد في أوقات الأزمات كما كان سابقًا”.

 

ورغم هذا الهبوط، كان الذهب قد سجل مكاسب قوية خلال العام الماضي، بلغت نحو 65%، متجاوزًا مستوى 5000 دولار للأوقية لأول مرة، قبل أن يبدأ في تصحيح هبوطي تدريجي مع إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية.

 

تكشف هذه التطورات عن حالة ارتباك واضحة بين السوق المحلية والعالمية، حيث تتحكم عوامل داخلية في تسعير الذهب داخل مصر، بعيدًا عن المسار العالمي. وفي ظل هذه المعطيات، تبقى السوق مرهونة بتحركات سعر الصرف والتطورات الدولية، مع توقعات باستمرار التذبذب خلال الفترة المقبلة.