يكشفُ انفجار أسعار الطماطم في الأسواق المصرية خلال شهر رمضان خللًا واضحًا في إدارة السوق الزراعية والغذائية. الكيلو قفز للمستهلك إلى 35 و50 جنيهًا بحسب المنطقة والجودة، بعد أن كان يدور قبل فترة قريبة بين 20 و30 جنيهًا. والنتيجة أن سلعة أساسية على مائدة المصريين تحولت فجأة إلى عبء يومي جديد، في لحظة يواجه فيها المستهلك أصلًا موجة تضخم وضغطًا متواصلًا على قدرته الشرائية.

 

الزيادة الحالية لم تأت من فراغ. تراجع الإنتاج بفعل تقلب درجات الحرارة وموجات الصقيع في بداية رمضان، بالتزامن مع اقتراب نهاية الموسم الشتوي وارتفاع الطلب على الطماطم. هذا التراجع في المعروض أصاب السوق مباشرة. الأسعار صعدت بسرعة. والفارق بين الجملة والتجزئة اتسع. وفي كل الأحوال، بقي المستهلك هو الحلقة الأضعف، يدفع أكثر للحصول على محصول يفترض أن مصر من أكبر منتجيه عالميًا.

 

في سوق العبور، وصل سعر قفص الطماطم، أو “العداية” التي تزن نحو 20 كيلو، إلى 600 جنيه لبعض الأصناف الجيدة، مقابل 450 جنيهًا الأسبوع السابق، بحسب ما أكده تجار. هذا الارتفاع لم يكن حركة عابرة داخل سوق الجملة. كان إشارة مبكرة إلى موجة صعود أكبر في التجزئة. ومع انتقال القفزة إلى الأسواق الشعبية والمحال، صار الكيلو نفسه عنوانًا جديدًا لأزمة معيشية تتكرر مع كل عروة وكل اضطراب مناخي وكل خلل في توازن العرض والطلب.

 

المعروض يتراجع والمصانع تسحب المحصول

 

التجار في سوق العبور قالوا إن الأسعار شهدت قفزة ملحوظة خلال الأسبوعين الماضيين بسبب تراجع الكميات الواردة، بالتزامن مع ارتفاع الطلب الصناعي عليها، خصوصًا من مصانع إنتاج الطماطم المجففة ومعجون الطماطم. هذه المصانع لم تعد لاعبًا هامشيًا. جزء من المحصول يُسحب مباشرة من الحقول لصالح التصنيع الغذائي، وهو ما يقلص الكميات المعروضة داخل أسواق الجملة ويرفع السعر على المستهلك النهائي.

 

الطلب الصناعي ارتفع أيضًا مع توسع عدد من الشركات في إنتاج الطماطم المجففة والمركزات، مستفيدة من نمو الطلب المحلي والخارجي، خاصة من الأسواق الأوروبية والعربية التي تستخدم هذه المنتجات في الصناعات الغذائية. هنا تظهر المفارقة بوضوح. الصناعة تمثل منفذًا مهمًا لتصريف المحصول وزيادة القيمة المضافة، لكنها في الوقت نفسه تضغط على المعروض المتاح للتداول في الأسواق خلال فترات حساسة، فتدفع الأسعار إلى أعلى وتترك المستهلك في مواجهة مباشرة مع نقص الكميات.

 

محمود جواد، المستثمر الزراعي، قال إن الفترة الانتقالية بين العروات غالبًا ما تشهد انخفاضًا في المعروض، خاصة مع انتهاء العروة الشتوية وتأخر ظهور إنتاج العروة الصيفية، وهي المرحلة التي تمر بها السوق حاليًا. كلامه يشرح جزءًا أساسيًا من الأزمة. السوق لا يتحرك فقط وفق حجم الإنتاج السنوي الكبير. السوق يتحرك وفق توقيتات الزراعة والحصاد. وعندما تختل الحلقة الانتقالية بين عروتين، تقفز الأسعار بسرعة وتظهر هشاشة الإمداد الفعلي.

 

وبحسب بيانات قطاع الزراعة، فإن مصر تقع ضمن أكبر 5 دول منتجة للطماطم في العالم، بإنتاج سنوي يتجاوز 6 إلى 7 ملايين طن. لكن ضخامة الإنتاج لا تعني استقرار السعر تلقائيًا. الطماطم محصول سريع التلف، ويتأثر بقوة بدورات الزراعة المختلفة، وهي العروة الشتوية والصيفية والنيلية. لذلك، يبقى السوق مكشوفًا أمام تقلبات موسمية حادة، خصوصًا عندما تتزامن نهاية عروة مع ضعف إنتاج التالية أو مع تغيرات جوية تضرب المحصول في توقيت حساس.

 

الصقيع والآفات ورمضان يضاعفون الأزمة

 

حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة بالاتحاد العام للغرف التجارية، قال إن انخفاض المعروض كان العامل الرئيسي وراء ارتفاع أسعار الطماطم. وأوضح أن موجات الصقيع أثرت أيضًا على محاصيل أخرى مثل الخيار والباذنجان والفلفل والليمون، لكن هذه المحاصيل بدأت تستقر تدريجيًا، بينما بقيت الطماطم مرتفعة نسبيًا بسبب قرب نهاية الموسم الشتوي، وهو ما قلل الكميات المتاحة ورفع الأسعار على مستوى الجملة والتجزئة معًا.

 

وأضاف النجيب أن أسعار التجزئة للطماطم تتراوح بين 40 و50 جنيهًا حسب الجودة، مشيرًا إلى أن الشعبة وقعت بروتوكول تعاون مع الشركة القابضة للصناعات الغذائية لطرح الطماطم في المجمعات الاستهلاكية بسعر 29 جنيهًا، وهو سعر الجملة الفعلي، بهدف زيادة المعروض وتحقيق قدر من التوازن. هذه الخطوة قد تخفف الضغط جزئيًا، لكنها لا تعالج أصل المشكلة. السوق لا يحتاج فقط إلى منافذ أرخص. يحتاج إلى إدارة تمنع القفزات الحادة قبل وصولها إلى المستهلك.

 

النجيب شدد أيضًا على أن ربط ارتفاع أسعار الطماطم بزيادة أسعار السولار غير صحيح، مؤكدًا أن تكلفة السولار لا تمثل عاملًا مؤثرًا في إنتاج الطماطم. هذا التوضيح مهم، لأن الحكومة رفعت مؤخرًا أسعار الوقود بنسب كبيرة، شملت بنزين 95 بنسبة 14.3%، وبنزين 92 بنسبة 15.6%، وبنزين 80 بنسبة 16.9%، والسولار بنسبة 17.1%، كما رفعت أسعار أسطوانات البوتاجاز بنسبة 22.2%، وغاز تموين السيارات بنسبة 30%. ومع ذلك، يرى النجيب أن أزمة الطماطم الحالية مرتبطة أولًا بالمعروض لا بالسولار.

 

لكن المشهد لا يتوقف عند الصقيع أو نهاية العروة. حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، قال إن ارتفاع أسعار الطماطم كان متوقعًا منذ فترة، لكنه جاء أكبر من التقديرات بسبب ظروف استثنائية. من بينها قلة المساحات المنزرعة في العروة الحالية، وضعف عملية الإنبات بسبب الأحوال الجوية، بالتزامن مع زيادة الاستهلاك خلال رمضان. النتيجة كانت واضحة. معروض أقل. طلب أعلى. وقفزة سعرية تجاوزت ما كانت تتوقعه السوق نفسها.

 

التضخم يضغط والهبوط ليس قريبًا فورًا

 

أبو صدام أضاف أن الارتفاع تجاوز التوقعات أيضًا بسبب تأثر العروة بشكل كبير، مع انتشار آفة سوسة الطماطم التي أضرت بمساحات زراعية واسعة، إلى جانب إحجام عدد من المزارعين عن زراعة الطماطم بعد خسائر كبيرة تعرضوا لها في عروات سابقة، حين هبط السعر إلى 5 جنيهات. كما أشار إلى أن ارتفاع أسعار الوقود ساهم في زيادة جماعية بأسعار المنتجات الغذائية، حتى لو لم يكن العامل الحاسم وحده في حالة الطماطم.

 

وفي الصورة الأوسع، لا تبدو قفزة الطماطم معزولة عن المناخ الاقتصادي العام. بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت ارتفاع معدل التضخم، إذ سجل الرقم القياسي لأسعار المستهلكين زيادة شهرية بلغت 2.8% في فبراير مقابل 1.2% في يناير، فيما بلغ معدل التضخم السنوي 13.4%. وعلى مستوى التضخم الأساسي، سجل 3.0% شهريًا و12.7% سنويًا. هذه الأرقام تعني أن أي زيادة في سلعة أساسية تجد أرضًا جاهزة للانتشار، لأن السوق أصلًا يعيش تحت ضغط تضخمي ممتد.

 

أبو صدام لفت كذلك إلى أن محاصيل أخرى شهدت ارتفاعًا، بينها الخيار والباذنجان والليمون، بينما بقيت البطاطس عند مستويات معقولة بين 12 و15 جنيهًا، وظل الثوم يباع بأقل من تكلفته بسبب ضعف التصدير. وأشار إلى أن زيادات الخضروات تراوحت بين أكثر من 100% للطماطم، ونحو 50% للخيار، و40% للباذنجان، و30% لليمون. هذه ليست حركة عابرة في صنف واحد. إنها إشارة إلى سوق غذائية تضطرب بسرعة عند أول ضغط مناخي أو إنتاجي.

 

الخلاصة أن الأسعار مرشحة للانخفاض التدريجي خلال نحو شهر، مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة وظهور العروات الصيفية وتراجع الاستهلاك بعد رمضان. لكن حتى ذلك الوقت، تبقى الحقيقة قاسية وواضحة. سلعة أساسية قفزت إلى 50 جنيهًا، وسوق يختنق بين ضعف التخطيط وتقلبات العروات والطلب الصناعي والتضخم. وفي النهاية، لا يدفع الثمن التاجر الكبير ولا المصنع. يدفعه المستهلك المصري وحده، كل يوم، على مائدة لم تعد تحتمل صدمة جديدة.