مروان قبلان

كاتب وباحث سوري

 

على أهمية الصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة العربية بعد الحرب الباردة، بما فيها الغزو العراقي للكويت (1990) والغزو الأميركي للعراق (2003)، وحروب "الربيع العربي" (2011 - 2024)، تُعدّ الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران الأكثر تأثيرًا وأهمية من جهة نتائجها وتداعياتها على المنطقة العربية والعالم. وبحكم الجغرافيا والتفاعلات السياسية والتأثيرات الاقتصادية، ستتفاوت أهمية تداعيات حرب إيران بين منطقة عربية وأخرى، مع تصدّر الخليج والمشرق العربي.

 

لكن هذا لا يعني أنّ بقيّة الدول العربية في مأمن من تداعيات الحرب، أقلّها لجهة أسعار الطاقة، إذ تتأثّر دول عربية سلبًا بارتفاعها، وأخرى تتأثّر إيجابًا. تتفاوت التداعيات أيضًا اعتمادًا على نتيجة الحرب، وهي تبدو وفق المعطيات الحالية بعيدةً من الحسم في ظلّ الإدارة الفوضوية للرئيس ترامب، الذي بات يتصرّف كمن وقع في ورطة، لا يعرف كيف يجد طريقه للخروج منها. فإذا استُأنفت الحرب، بعد رفض ترامب الردّ الإيراني أخيرًا على مقترحاته، فالأرجح أن إيران ستستهدف، كما فعلت خلال حرب الـ40 يومًا، منشآت الطاقة والبنى التحتية في الخليج، مع تداعيات اقتصادية وبيئية كارثية.

 

إذا خضعت إيران لإرادة ترامب، ووافقت على معظم طلباته، وهذا احتمال قائم وإن كان يضعف بمرور الوقت، فهذا يعني أنّ علاقة إيران بالولايات المتحدة ستشهد تقاربًا، وقد تنافس دول الخليج على استقطاب الاهتمام والاستثمارات الأميركية في مختلف القطاعات، خاصّةً أنّ إيران كانت عرضت على إدارة ترامب، في مفاوضات جنيف قبل الحرب، مشروعات استثمار بمئات مليارات الدولارات، بما فيها مشروعات في قطاعَي النفط والغاز.

 

أمّا إذا استُأنفت الحرب وخسرتها إيران، فهذا سيقود إلى خلل هائل في موازين القوى الإقليمية لمصلحة إسرائيل، وتلاشي القدرة على ضبط سلوكها المنفلت، بما في ذلك تجاه دول عربية في الخليج لا تخضع لمشيئتها. إذا فقد ترامب اهتمامه بالحرب، واختار، كما ينصحه بعضٌ في واشنطن، أن يرضى من الغنيمة بالسلامة، بدل التورّط في حرب طويلة غير مضمونة النتائج مع إيران، فهذا يعني أنّ إيران ستعلن انتصارها، وستغدو دول الخليج مكشوفةً أمامها. وإذا قرّر ترامب فعل ذلك من دون إعادة الوضع إلى ما كان عليه في مضيق هرمز قبل الحرب فهذا سيضع دول الخليج تحت رحمة إيران، سواء لجهة استيفاء رسوم عبور يمكن أن تفرضها على تجارتها أو لجهة تحكّمها بصادرات الطاقة واختيار جهاتها وزبائنها.

 

هذا في الخليج، أمّا في المشرق العربي فالتداعيات لن تقلّ أهميةً، أيضًا اعتمادًا على نتائج الحرب. فإذا ضعفت إيران، فهذا قد يمنح العراق فرصةً نادرةً للفكاك من التبعية لها. هنا قد يصير بمقدور العراقيين، للمرّة الأولى منذ الغزو الأميركي قبل نحو ربع قرن، أن يجدّوا في بناء دولة حرّة سيدة ومستقلّة لا مكان فيها للمليشيات الخاضعة للتأثير الأجنبي المباشر. سورية أيضًا ستحصل على فرصة أكبر لتعزيز سيادتها، إنّما بشرط عدم حصول هزيمة كاملة لإيران، لأنّ هذا سيزيد من خطورة التهديد الإسرائيلي، المتعاظم أصلًا، فتصبح إسرائيل قادرةً على فرض ما تشاء من شروط على سورية، بما في ذلك إمكان إخراج  الجنوب السوري كاملًا من سيطرتها.

 

وهذا ينطبق أيضًا على لبنان الذي يُرجَّح أن تستفرد فيه إسرائيل بصورة مطلقة، في ظلّ غياب موقف أو دور عربي مؤثّر. أمّا إذا خرجت إيران من الحرب أقوى بالمعنى الاستراتيجي، فهذا سيوجّه ضربةً كبيرةً لجهود إعادة بناء الدولة الوطنية في امتداد المشرق العربي؛ إذ ستحاول إيران استعادة ما خسرته من نفوذ، خاصّةً في سورية بعد سقوط نظام الأسد، كما سيفقد العراق فرصةً لا تعوّض للاستقلال عنها.

 

ستمتدّ التداعيات أيضًا إلى اليمن وكامل منطقة البحر الأحمر بضفّتيه، الشرقية والغربية. ستحدّد نتيجة الحرب الفارق بين إمكانية سيطرة إيرانية على ممرّ مائي شديد الأهمية، تمرّ عبره نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية، وتهديد المنافذ البديلة: السعودية وقناة السويس، من خلال تعاظم النفوذ الحوثي في اليمن، في حال أعلنت إيران نصرًا في المواجهة مع واشنطن، من جهة، أو سيطرة إسرائيلية أكبر في المنطقة، تتعزّز من خلال بقايا المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، والوجود العسكري عند مدخل باب المندب من خلال العلاقة المتنامية بين إسرائيل وكلٍّ من جمهورية أرض الصومال وإثيوبيا.

 

في كلّ الأحوال، في غياب دور عربي فاعل ومؤثّر في الصراع على مستقبل المنطقة، ستكون تداعيات حرب إيران، مهما كانت نتيجتها، سيئةً عربيًا.