يفضح شهر مارس هشاشة الاقتصاد المصري من جديد. زيادة مفاجئة في أسعار الوقود. تراجع جديد في قيمة الجنيه. ثم تخارج مليارات الدولارات من استثمارات الأجانب في أدوات الدين والأسهم. هذه ليست تقلبات عابرة. هذه صدمة مركبة تضرب الأسعار وسوق الصرف وثقة المستثمرين في وقت واحد. ولهذا جاء تحذير محمد أبو باشا، كبير محللي الاقتصاد الكلي في إي اف چي هيرميس، واضحًا حين توقع أن تدفع زيادة الوقود والتراجع الطفيف للجنيه معدل التضخم في مارس إلى نحو 15% وربما 16%، مع امتداد الآثار غير المباشرة إلى أبريل ومايو.
أبو باشا لم يتحدث عن رقم معزول. هو ربط بين عاملين يضغطان مباشرة على معيشة المصريين. الأول هو زيادة أسعار الطاقة التي جاءت، بحسب توصيفه، كرد فعل على صدمة أسعار البترول عالميًا. والثاني هو تراجع الجنيه عن مستوياته السابقة. هذا الربط مهم لأن التضخم في مصر لا يتحرك فقط بسبب الغذاء أو الطلب، بل أيضًا بسبب قرارات حكومية تمس النقل والإنتاج والخدمات، ثم تنتقل آثارها بسرعة إلى جيوب المواطنين. وفي الخلفية، كان التضخم قد عاد أصلًا إلى الارتفاع في فبراير، إذ سجل التضخم الأساسي 12.7% مقابل 11.2% في يناير، بينما ارتفع التضخم الحضري السنوي إلى 13.4% من 11.9%.
الوقود يشعل الأسعار من جديد
المشكلة أن الحكومة اختارت تحميل السوق صدمة الوقود في لحظة إقليمية مضطربة أصلًا. مصر رفعت في مارس أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14% و30%، في ثالث زيادة خلال 12 شهرًا، بحسب تقارير اقتصادية منشورة آنذاك. ومع كل زيادة من هذا النوع، لا ترتفع فقط تكلفة التنقل، بل ترتفع معها تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع، ثم تتحول الزيادة إلى موجة أوسع في الغذاء والخدمات والسلع اليومية. لذلك فإن الحديث عن تضخم عند 15% أو 16% ليس تهويلًا. هو ترجمة مباشرة لقرار رسمي أُضيف إلى اقتصاد متخم أصلًا بالضغوط.
هذا ما تقوله أيضًا سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي في سي آي كابيتال، التي رأت أن رفع أسعار المحروقات سيخلق ضغوطًا تضخمية تدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة، ورجحت أن يبلغ متوسط التضخم خلال العام نحو 15%. أهمية هذا الرأي أنه يأتي من داخل بيوت الاستثمار نفسها التي كانت قبل أشهر تتحدث عن مسار هبوطي للتضخم وإمكانية استمرار التيسير النقدي. الآن تغيّر المشهد. المسار الهابط انكسر. والوقود أصبح عاملًا مباشرًا في إعادة إشعال الأسعار.
الأخطر أن هذه الزيادة لم تأت حتى في لحظة صعود حاد للنفط كما جرى في أزمات سابقة. هيثم فهمي، رئيس قسم البحوث في برايم، قال إن تحريك أسعار الوقود بهذا الشكل كان “غير مفهوم” في ظل تراجع خام برنت إلى مستويات دون افتراضات الموازنة. هذا التناقض يفتح بابًا أوسع للنقد. إذا كانت الحكومة ترفع الوقود رغم هبوط النفط، فالمشكلة لم تعد في السوق العالمية وحدها. المشكلة في طريقة إدارة العبء داخليًا، وفي إصرار السلطة على تمرير الفاتورة إلى المواطن مهما كان التوقيت.
الجنيه ينزف والأموال الساخنة تخرج
في الشق الثاني من الأزمة، كشف أبو باشا عن تخارج استثمارات أجنبية من السوق المصرية خلال الفترة الأخيرة، بواقع يتراوح بين 7 و8 مليارات دولار، مع تركز النسبة الأكبر في سوق الدخل الثابت. هذا الرقم، حتى لو وصفه بأنه “ليس كبيرًا” مقارنة بإجمالي التدفقات السابقة، يظل إشارة شديدة الخطورة. لأن ما خرج في أيام معدودة هو جزء من أموال سريعة الدخول والخروج، لا تبني اقتصادًا حقيقيًا ولا تمنح استقرارًا طويلًا. بل تترك البلد مكشوفة أمام أي توتر جيوسياسي أو اضطراب في شهية المستثمرين.
بلومبرغ وصفت الأصول المصرية بأنها من الأكثر تضررًا في الشرق الأوسط بفعل الحرب، وقالت إن مليارات الدولارات من استثمارات المحافظ خرجت من مصر، مع هبوط السندات وتراجع الجنيه إلى مستوى قياسي ضعيف. هنا لا تعود المسألة مجرد “تذبذب طبيعي” في سوق ناشئة. نحن أمام نموذج اقتصادي ما زال يعتمد على تدفقات ساخنة لتمويل احتياجاته، ثم يكتشف عند أول صدمة أن هذه الأموال لا تعرف الولاء ولا تنتظر طويلًا.
الدكتور محمد معيط، ممثل المجموعة العربية ودول المالديف بمجلس إدارة صندوق النقد الدولي، حذر بدوره من أن الحرب ترفع أسعار الطاقة وتعرقل سلاسل الإمداد وتدفع المستثمرين إلى الملاذات الآمنة، بما يزيد الضغط على الدولار وعملات الدول النامية. هذه الإشارة تكمل صورة أبو باشا. فخروج الأموال الساخنة ليس مجرد حركة مضاربة. هو جزء من مناخ عالمي يعاقب الاقتصادات الهشة أولًا، ويعاقبها أسرع من غيرها. ومصر، بحكم احتياجاتها التمويلية واعتمادها على الاستيراد والطاقة، تقف في قلب هذا الخطر.
البنك المركزي محاصر والشارع يدفع الثمن
أبو باشا يتوقع أن يتجه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، وربما يستمر هذا الاتجاه لنحو 6 أشهر، إلى حين استقرار التضخم وبدء تراجعه بنهاية العام. لكنه أبقى أيضًا على احتمال رفع الفائدة إذا تصاعدت التوترات وارتفعت أسعار النفط أكثر. هذا يعني أن البنك المركزي محاصر بين خيارين أحلاهما مر. التثبيت يعني الاعتراف بأن المعركة ضد التضخم لم تُحسم. والرفع يعني خنق الاستثمار والائتمان أكثر، في اقتصاد يعاني أصلًا من تباطؤ وتكلفة تمويل مرتفعة.
أية زهير، رئيسة البحوث في زيلا كابيتال، رأت أن كلفة الوقود ستنعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، لكنها توقعت أن تظل معدلات التضخم دون تجاوز كبير لحاجز 15% حتى نهاية العام. حتى هذا السيناريو “الأخف” لا يحمل خبرًا جيدًا للمواطن. لأن بقاء التضخم قرب هذه المستويات يعني ببساطة استمرار تآكل الأجور والمدخرات، واستمرار عجز الأسر عن اللحاق بسوق يتحرك أسرع من دخولها. في النهاية، لا يدفع فاتورة هذه الصدمات المستثمر الأجنبي الذي خرج. ولا الحكومة التي رفعت الأسعار. من يدفع هو الشارع المصري، مرة في محطة الوقود، ومرة في السوبر ماركت، ومرة ثالثة في سعر الفائدة والقرض والإيجار.
الخلاصة أن تحذير محمد أبو باشا لا يكشف مجرد موجة تضخم مقبلة. هو يكشف أزمة أعمق في بنية الاقتصاد نفسه. اقتصاد ينكشف بسرعة أمام النفط والدولار والأموال الساخنة. وحكومة تلجأ إلى رفع الوقود لتخفيف أعباء الموازنة، فتدفع المجتمع كله إلى موجة غلاء جديدة. وبنك مركزي يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن الاستقرار بأسلحة أقل فاعلية من حجم الصدمة. هكذا يدخل المصريون الربيع بأسعار أعلى، وجنيه أضعف، ووعود أقل إقناعًا من أي وقت مضى.

