يتجه البنك المركزي المصري إلى واحد من أصعب اجتماعاته خلال الشهور الأخيرة، مع تصاعد توقعات بتثبيت أسعار الفائدة في 2 أبريل 2026 بعد موجة خفض كبيرة بدأت منذ أبريل 2025. لكن هذا التثبيت المحتمل لا يأتي في لحظة هدوء، بل وسط ضغوط تضخمية جديدة غذّتها زيادة أسعار الوقود محليًا، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وتراجع هامش المناورة أمام السياسة النقدية.
التيسير يتعثر عند بوابة التضخم
منذ أبريل 2025، اتجه المركزي إلى التيسير النقدي عبر سلسلة تخفيضات متتالية أوصلت خفض الفائدة التراكمي إلى 825 نقطة أساس خلال 7 اجتماعات، قبل أن يصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 19%، وسعر الإقراض إلى 20%، وسعر العملية الرئيسية إلى 19.5% في آخر اجتماع خلال فبراير 2026. هذا المسار كان يستند إلى تراجع نسبي في الضغوط السعرية، لكنه بات الآن مهددًا بعوامل جديدة تعيد التضخم إلى الواجهة.
البيانات الأحدث تؤكد هذا التحول. فالتضخم السنوي لإجمالي الجمهورية ارتفع إلى 11.5% في فبراير 2026 مقابل 10.1% في يناير، بينما بلغ التضخم الشهري 2.7%، وارتفع التضخم الأساسي السنوي إلى 12.7%. هذه الأرقام تعني أن موجة التراجع السابقة فقدت زخمها، وأن أي خفض جديد للفائدة في أبريل قد يبدو مخاطرة غير محسوبة أكثر منه دعمًا للنشاط الاقتصادي.
الخبير المصرفي محمد عبد العال يرى أن التثبيت أصبح الخيار الأقرب، لأن البنك المركزي لا يبني قراره فقط على أرقام التضخم الحالية، بل على توقعاته المستقبلية أيضًا. وبحسب تقديره، فإن تأثيرات الحرب وارتفاع الطاقة لم تظهر بالكامل بعد في بيانات الأسعار، ما يجعل التسرع في الخفض مجازفة قد تُفقد السياسة النقدية ما تبقى من مصداقيتها.
الوقود والعملة يضغطان على القرار
الضغوط التي تواجه المركزي ليست محلية فقط. فالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط رفعت أسعار النفط والغاز وأعادت المخاوف بشأن تكلفة الاستيراد والطاقة. وفي اقتصاد مثل الاقتصاد المصري، ينتقل هذا الأثر سريعًا إلى الداخل عبر النقل والكهرباء وتكلفة الإنتاج، ثم إلى أسعار السلع والخدمات اليومية. هكذا يصبح رفع أسعار المحروقات محليًا جزءًا من موجة أوسع، لا قرارًا معزولًا.
هذا المشهد ينعكس أيضًا على سعر الصرف. تقارير اقتصادية مصرية تحدثت عن أن استمرار حالة عدم اليقين الخارجي واستنزاف الموارد الدولارية يضعان الجنيه تحت ضغط، ما يرفع بدوره تكلفة الواردات ويغذي التضخم. وإذا اجتمع ارتفاع الوقود مع ضعف العملة، فإن النتيجة تكون معروفة سلفًا: أسعار أعلى، وقوة شرائية أضعف، وحاجة أكبر للإبقاء على فائدة مرتفعة لفترة أطول.
الخبير المصرفي محمد بدرة يرجح أن الاجتماع المقبل قد يتحرك بين التثبيت والرفع، لا الخفض، بسبب أثر الحرب على أسعار البترول وإمكان انعكاسها على أسعار المحروقات في مصر. هذا الرأي لا يعني أن الرفع هو السيناريو المرجح، لكنه يكشف بوضوح أن التيسير النقدي لم يعد هو المسار الطبيعي الوحيد كما بدا قبل أشهر قليلة.
البورصة تدفع فاتورة التردد
القرار المتوقع لن يتوقف أثره عند البنوك والأسعار. البورصة المصرية تراقب الاجتماع المقبل باعتباره عاملًا مباشرًا في حركة السيولة والتقييمات. فكلما استمرت الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبيًا، زادت جاذبية أدوات الدخل الثابت بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين، وتراجعت شهية المخاطرة تجاه الأسهم، خصوصًا في سوق تعاني أصلًا من هشاشة السيولة وحساسية عالية للأخبار الاقتصادية.
في هذا السياق، ذكرت تقارير صحفية أن مؤشرات قوية ظهرت على تخلي المركزي عن سياساته المتيسرة، وهو ما انعكس بالفعل على أداء البورصة في جلسات مارس 2026. التثبيت قد يمنح السوق قدرًا من الاستقرار، لأنه يمنع مفاجأة رفع جديد، لكنه لن يكون خبرًا إيجابيًا صافيًا، إذ يعني أيضًا بقاء تكلفة الأموال مرتفعة واستمرار الضغط على التداولات وعلى الشركات التي تعتمد على التمويل.
خبير أسواق المال حسن مرتضى يرى أن زيادة أسعار البنزين وإسطوانات الغاز ستولد موجة تضخمية جديدة، ما يدفع المركزي لإعادة تقييم مسار الخفض، ويجعل تثبيت الفائدة هو الخيار الأقرب في أبريل. ويضيف أن أي ارتفاع في عوائد الادخار قد يسحب جزءًا من السيولة من سوق الأسهم إلى الودائع البنكية. أما المحلل الفني رضا شعبان فيرى أن تثبيت الفائدة يخلق أثرًا مزدوجًا: يقلل جاذبية الأسهم مقارنة بالدخل الثابت، لكنه في الوقت نفسه يحد من تقلبات أكثر عنفًا كانت ستحدث لو قرر المركزي رفع الفائدة مجددًا.
في المحصلة، لم يعد السؤال المطروح هو: هل يواصل المركزي خفض الفائدة كما فعل في 2025؟ بل: هل يستطيع أصلًا أن يفعل ذلك من دون أن يطلق موجة تضخم جديدة أو يزيد الضغط على الجنيه؟ الأرجح الآن أن اجتماع 2 أبريل سيكون اجتماع تثبيت لا شجاعة فيه ولا راحة، بل محاولة لشراء الوقت في اقتصاد يتلقى الضربات من الوقود، والطاقة، وسعر الصرف، وتدفع البورصة جزءًا من كلفة هذا التردد.

