يكشف صعود النفط مجددًا فوق حاجز 100 دولار للبرميل أن السوق لم يعد يتعامل مع الحرب الدائرة حول إيران بوصفها تطورًا عسكريًا بعيدًا، بل باعتبارها تهديدًا مباشرًا لإمدادات الطاقة العالمية. خلال تعاملات الجمعة 13/03/2026، ارتفع خام برنت إلى ما يزيد على 100 دولار، بينما اقترب خام غرب تكساس من 99 دولارًا، وسط استمرار تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز وتزايد المخاوف من أن تحمل عطلة نهاية الأسبوع تصعيدًا جديدًا يدفع الأسعار إلى موجة أعلى. بعض التقارير السوقية وضعت برنت قرب 103 دولارات، فيما أظهر تداول لاحق نطاقًا أدنى قليلًا، ما يعكس حجم التذبذب لا هدوء السوق.
المشكلة هنا ليست في رقم يومي فقط. المشكلة أن أحد أهم شرايين الطاقة في العالم بات شبه معطل، وأن السوق يتعامل مع هذا التعطل باعتباره مستمرًا لا حادثًا عابرًا. تقارير أمريكية وبرلمانية وصحفية تحدثت هذا الأسبوع عن إغلاق فعلي أو شبه كامل للمضيق منذ أوائل مارس، مع هبوط حاد في حركة العبور وتهديدات إيرانية متواصلة للسفن، بينما يمر عبر هرمز في الظروف العادية نحو خُمس تجارة النفط العالمية. هذا وحده يكفي لتفسير القفزة، لكنه لا يخفف من خطورتها، لأن أي تأخر في إعادة فتح المسار أو تأمينه يعني أن العالم أمام أزمة طاقة قد تطول أكثر مما تعترف به الحكومات.
في هذا السياق، تبدو الرواية الأمريكية عن «احتواء السوق» ضعيفة ومتناقضة. واشنطن لم تنجح في إعادة المرور الآمن عبر هرمز، لكنها تحاول ترميم النقص عبر أدوات إسعافية سريعة. أهمها ترخيص مؤقت لمدة 30 يومًا يسمح بشراء النفط الروسي الموجود أصلًا في البحر. هذا القرار، الذي جاء وسط قفزة الأسعار، لا يعكس ثقة في استقرار الإمدادات بقدر ما يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن السوق يواجه نقصًا لا يمكن تجاهله، وأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فتحت على العالم كلفة طاقة لا تملك واشنطن خطة واضحة لوقفها سريعًا.
سوق مرتبك.. والأخبار العسكرية صارت أقوى من كل أدوات التهدئة
الأسعار لم ترتفع لأن السوق فوجئ بمعلومة جديدة عن أساسيات العرض والطلب، بل لأن الأخبار العسكرية صارت هي المحرك الأول. كل إشارة إلى هجوم جديد، أو سفينة متضررة، أو تهديد بإبقاء المضيق مغلقًا، تترجم فورًا إلى علاوة حرب في الأسعار. حتى محاولات التهدئة لم تنجح في تبريد السوق إلا لساعات محدودة، قبل أن يعود الخوف من تعطل الإمدادات ليفرض نفسه. وكالة أسوشيتد برس تحدثت عن صدمة نفطية دفعت الأسعار للصعود بنحو 40% إلى 46% خلال شهر واحد، بينما أظهرت تقارير أخرى أن برنت عاد فوق 100 دولار رغم إجراءات أمريكية وأوروبية استثنائية.
فيل فلين، كبير محللي الطاقة في Price Futures Group، كان قد وصف ما جرى في مطلع هذا الأسبوع بأنه «شراء بدافع الذعر» تغذيه الحرب والتخوف من اختناق الإمدادات. هذا التوصيف مهم لأنه يشرح أن السوق لا يسعر النفط فقط، بل يسعر الخوف من انقطاع مفاجئ في المرور البحري ومن انفلات الصراع إلى مرحلة أطول. ومعنى ذلك أن الأسعار الحالية لا تعكس فقط نقصًا قائمًا، بل احتمال نقص أكبر لم يقع بعد، وهو أخطر ما في أي أزمة طاقة.
هذه الحساسية المفرطة تجعل أي حديث عن استقرار قريب أقرب إلى الرغبة السياسية منه إلى القراءة الواقعية. تقارير من وول ستريت ومن مؤسسات مالية كبرى حذرت من أن استمرار التعطل في هرمز قد يرفع الأسعار إلى ما فوق مستويات 2008 القياسية، أو على الأقل يبقيها لفترة طويلة في نطاق مرتفع يضغط على النقل والصناعة والتضخم عالميًا. والأسوأ أن المرور في المضيق لم يعد معطلًا بسبب تهديد نظري، بل بسبب هجمات فعلية ومخاطر تأمينية وملاحية تجعل إعادة الحركة إلى طبيعتها مسألة عسكرية معقدة لا قرارًا إداريًا سريعًا.
ترخيص النفط الروسي لا يحل الأزمة.. بل يكشف عمقها
القرار الأمريكي بالسماح مؤقتًا ببيع شحنات روسية عالقة في البحر قُدم باعتباره خطوة لتهدئة أسواق الطاقة. وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قال إن الإجراء محدود ومصمم بحيث لا يمنح موسكو مكسبًا ماليًا كبيرًا. لكن مجرد اللجوء إلى هذا المسار في توقيت كهذا يفضح ارتباك السياسة الأمريكية. فواشنطن، التي تدير تصعيدًا عسكريًا عالي الكلفة في الخليج، تعود في اللحظة نفسها لتخفيف بعض قيودها على النفط الروسي كي تسد جزءًا من الفجوة التي صنعتها الحرب نفسها. هذه ليست سياسة متماسكة. هذا تصرف اضطراري في سوق مرتبك.
الأهم أن أثر هذا الترخيص يبدو محدودًا مقارنة بحجم الاضطراب. تقارير السوق تحدثت عن نحو 100 مليون برميل أو أكثر قليلًا من النفط الروسي المشمول بالترخيص، لكن محللين أشاروا إلى أن هذه الكمية لا تكفي إلا لتعويض جزء قصير الأجل من خسائر الخليج إذا استمر تعطل الصادرات عبر هرمز. والأسوأ أن الخطوة نفسها أثارت اعتراضات أوروبية وأوكرانية لأنها قد تخفف الضغط على موسكو من دون أن تعالج أصل الأزمة، أي الحرب الجارية وخنق المرور في المضيق. بعبارة أوضح: واشنطن لا تفتح هرمز، بل تشتري وقتًا إضافيًا من السوق الروسية.
كيريل دميترييف، المبعوث الرئاسي الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي مع الخارج، شارك بدوره في تسويق معنى القرار باعتباره مؤشرًا على أن العالم لا يستطيع تجاهل النفط الروسي حين تدخل السوق مرحلة ضغط حاد. وبغض النظر عن البعد السياسي لهذا الكلام، فإن دلالته الاقتصادية واضحة: الحرب لم تخلق فقط أزمة إمدادات، بل أجبرت واشنطن على التعامل بمرونة مع نفط كانت تشدد عليه قبل ذلك، وهو اعتراف عملي بأن أمن الطاقة العالمي يتقدم الآن على الشعارات السابقة.
الأسوأ قد يكون قادمًا.. والأسواق تخشى التضخم والركود معًا
أولي هانسن، استراتيجي السلع في Saxo Bank، حذر من أن استمرار ارتفاع النفط لا يظل محصورًا في سوق الطاقة، بل يمتد سريعًا إلى الاقتصاد الأوسع عبر التضخم وتكاليف النقل والإنتاج. هذا التحذير لا يبدو مبالغًا فيه في لحظة تجاوز فيها النفط 100 دولار مجددًا، بينما تتراجع الثقة في قدرة الإفراجات الاحتياطية أو التصاريح المؤقتة على إعادة التوازن. لأن الأزمة الحالية ليست نقصًا عابرًا في المخزون، بل اضطرابًا جيوسياسيًا يمس أحد أهم مسارات الطاقة في العالم.
الاقتصادي بوب إليوت قدم زاوية أكثر مباشرة على الخطر القادم، حين أشار إلى أن صدمة النفط الحالية يمكن أن تعني تضخمًا أعلى وإنفاقًا استهلاكيًا أضعف ونموًا عالميًا أكثر هشاشة خلال 2026. هذا هو التهديد الحقيقي الذي يخرج من تحت أقدام السياسة إلى جيوب الناس. كل دولار إضافي في برميل النفط لا يبقى في شاشات التداول، بل ينتقل لاحقًا إلى الوقود والشحن والكهرباء والسلع. لذلك لا تبدو الأزمة مجرد معركة جيوسياسية في الخليج، بل بداية ضغط اقتصادي عالمي جديد إذا استمر المسار الحالي بلا تهدئة فعلية.
الخلاصة أن صعود النفط مجددًا ليس حركة سوق عابرة، بل إنذار واضح بأن الحرب حول إيران دخلت مرحلة تضرب شريان الطاقة العالمي مباشرة. إغلاق هرمز أو شبه إغلاقه، والرهان على شحنات روسية عالقة، والإفراجات الطارئة من الاحتياطيات، كلها مؤشرات على أن الإدارة الأمريكية لا تملك حتى الآن حلاً يعالج أصل الأزمة. السوق فهم ذلك سريعًا. ولهذا عادت الأسعار فوق 100 دولار، وعاد معها الخوف من تضخم جديد وركود أوسع، بينما يترقب المستثمرون نهاية أسبوع قد تفتح الباب لارتفاعات أكبر بدلًا من الانفراج.

