كشفت شكاوى المواطنين فجوة صارخة بين خطاب الحكومة عن توافر أسطوانات البوتاجاز وبين ما يجري فعليًا في عدد من المحافظات، حيث تُباع الأسطوانة المنزلية في السوق غير الرسمية بأسعار تبدأ من 250 جنيهًا وتصل إلى 300 جنيه، رغم أن السعر الرسمي المعلن على موقع وزارة البترول يبلغ 225 جنيهًا للأسطوانة المنزلية، ورغم تأكيد الوزارة في 15/2/2026 أنها دفعت بكميات إضافية تتجاوز مليون أسطوانة يوميًا استعدادًا لرمضان، مع تشغيل 9 مصانع و37 محطة تعبئة وأكثر من 3 آلاف مستودع على مستوى الجمهورية.
ما يحدث لا يبدو أزمة إمداد بالمعنى المباشر. الحكومة نفسها تقول إن الكميات موجودة. لكن السوق يقول شيئًا آخر. المواطن لا يشتري من البيان الرسمي. المواطن يشتري من الموزع الذي يقف على الباب ويطلب رقمًا أعلى من السعر المقرر. هنا تظهر المشكلة الحقيقية: دولة تعلن الوفرة، لكنها تعجز عن فرض السعر. ووزارة تؤكد المتابعة على مدار الساعة، بينما يظل المستهلك وحيدًا أمام مستودع خاص أو موزع منزلي يفرض ما يريد.
وفرة على الورق وفوضى في الشارع
قالت وزارة البترول إن منظومة التوزيع جاهزة، وإن الأرصدة متوافرة، وإن الضخ زاد خلال رمضان بما يتجاوز مليون أسطوانة يوميًا. كما شددت على انتظام حركة التوزيع ورفع ورديات العمل، وعلى وجود رقابة بالتنسيق مع التموين ومباحث التموين. هذا هو الخطاب الرسمي الكامل. لكنه لا يفسر لماذا عادت الشكاوى نفسها للظهور مع أول ضغط موسمي على الطلب، ولا لماذا تستمر الأسطوانة في القفز بعيدًا عن السعر الرسمي فور خروجها من المستودع.
الشكاوى التي ترد من المحلة الكبرى وأسيوط والقاهرة وحدائق أكتوبر ترسم صورة متقاربة. السعر الفعلي عند التسليم للمنازل يدور بين 270 و300 جنيه، وقد يقفز أعلى من ذلك في بعض المناطق والمواسم. وبحسب شهادات محلية واردة في المادة الأصلية، فإن تراجع عدد موزعي المنازل خلال رمضان زاد الضغط على الأسر، وفتح الباب لفرض أسعار أعلى. تقارير منشورة رصدت أيضًا بيع الأسطوانة فوق السعر الرسمي لتصل في بعض المناطق إلى 300 و350 جنيهًا.
المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، قدّم زاوية مهمة في هذا الملف حين قال إن أسطوانة البوتاجاز تُباع محليًا بما يعادل نحو نصف تكلفتها تقريبًا. هذه المعلومة لا تبرر الفوضى، لكنها تشرح لماذا تظل الحلقة التجارية المحيطة بالأسطوانة مغرية للتلاعب. الفارق بين التكلفة الحقيقية والسعر الرسمي، مع ضعف الرقابة في بعض المناطق، يخلق مساحة واسعة لسوق موازية لا تدفع ثمنها الحكومة على الورق، بل يدفعها المواطن نقدًا عند باب البيت.
الحلقة الأضعف ليست الإنتاج بل الرقابة
مصدر بقطاع البترول قال بوضوح إن الأزمة ليست في الإنتاج ولا في الإمدادات، بل في آليات التوزيع والرقابة داخل السوق. هذا التوصيف يتسق مع الوقائع أكثر من بيانات الاطمئنان العامة. الوزارة تضخ، لكن جزءًا من السوق يحتجز ويخزن ويعيد البيع بأسعار أعلى، خصوصًا في المواسم. وحين تكون السلعة مدعومة جزئيًا، وحين يرتفع الطلب في رمضان، يصبح التخزين أداة ربح سريعة. المشكلة هنا ليست غامضة. المشكلة معروفة ومكررة، لكنها تُدار كل مرة باعتبارها حادثًا عابرًا.
وزارة التموين نفسها أصدرت في 18/9/2024 توجيهًا واضحًا بتشديد الرقابة على مستودعات البوتاجاز ومراحل التداول، بما يشمل المستودع وموزعي الأسطوانات ووزن الأسطوانة والأسعار الرسمية. كما أعلن الوزير شريف فاروق في 5/5/2025 تنفيذ حملات يومية ومباغتة على المستودعات ومحطات الوقود، مع التأكيد على عدم التهاون مع المخالفين. لكن استمرار الشكاوى بعد هذه التوجيهات يطرح سؤالًا مباشرًا: أين أثر هذه الحملات على الأرض، ولماذا لا يلمسه المواطن في مواسم الذروة؟
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات أحمد كمال، المتحدث الرسمي باسم وزارة التموين، كاشفة بقدر ما هي دفاعية. الرجل قال إن الرقابة تشمل مراحل التداول كافة، وإن هناك متابعة للوزن والسعر والمستودعات والموزعين. هذا اعتراف ضمني بأن بؤرة الأزمة ليست في مصنع التعبئة، بل في الطريق بين المصنع والمستهلك. وإذا كانت الوزارة تعرف مكان الخلل بهذه الدقة، فإن استمرار القفزات السعرية يعني أن المعرفة لم تتحول إلى ضبط فعلي.
المشهد يصبح أكثر وضوحًا مع ما كشفه مصدر بوزارة التموين عن نقص أعداد المفتشين، بعد خروج أعداد كبيرة إلى المعاش من دون تعويضهم بتعيينات جديدة. هذه ليست تفصيلة إدارية. هذا هو قلب الأزمة. حين تضعف القدرة على التفتيش، يصبح المستودع الخاص أقوى من السعر الرسمي. وحين تتباطأ الحملات أو تقل كثافتها، يتحول رمضان من موسم استهلاك طبيعي إلى موسم ابتزاز للأسرة محدودة الدخل. هنا لا تعود المشكلة في سلعة ناقصة، بل في دولة تعرف أين يختبئ الخلل ولا تملك عددًا كافيًا من الأعين لملاحقته.
مواسم تتكرر وحكومة تكتفي برد الفعل
الأزمة ليست جديدة. تقارير منشورة منذ 2025 وثقت شكاوى من بيع الأسطوانة فوق السعر الرسمي، وأشارت إلى إحالة بعض الشكاوى للجهات الرقابية المختصة. كما استمرت المحافظات في إصدار توجيهات متكررة لتكثيف المرور على المستودعات، ما يعني أن الاختلال مزمن وليس استثنائيًا. الجديد فقط هو أن المواطن صار يدفع أكثر، بينما الخطاب الرسمي ما زال يدور حول التوافر، لا حول الفشل في ضبط السوق النهائية.
ولا يمكن تجاهل زاوية أخرى في الصورة. بعض أصحاب المستودعات يشتكون بدورهم من ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والرسوم بعد زيادات أسعار السولار، وهو ما ناقشته غرفة سوهاج التجارية في 21/10/2025. لكن حتى لو صحت هذه الشكوى، فهي لا تمنح أحدًا حق تحويل سلعة أساسية إلى مزاد يومي. المطلوب هنا ليس تبريرًا مجانيًا للتاجر ولا إنكارًا حكوميًا للأزمة، بل منظومة شفافة تعلن التكلفة وهامش الربح والعقوبة وتنفذها فعلًا.
وفي هذا الإطار، قال خالد أبو الوفا، رئيس الغرفة التجارية بسوهاج، إن قطاع توزيع البوتاجاز قطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطن، وإنه يحتاج إلى دعم يضمن وصول الأسطوانات بأسعار عادلة، مع إعادة النظر في هامش الربح المخصص لأصحاب المستودعات بما يتناسب مع التكاليف الحالية. هذه نقطة عملية لا ينبغي تجاهلها. فالسوق لا يُضبط فقط بالشعارات الأمنية، بل أيضًا بمعادلة اقتصادية معلنة تمنع الاحتكار الصغير وتسد باب التحايل.
الخلاصة أن الحكومة ليست متهمة اليوم بالعجز عن توفير الأسطوانة فقط، بل بالعجز عن حماية السعر الذي أعلنته بنفسها. هذا هو جوهر الأزمة. أسطوانة موجودة، لكنها لا تصل بالسعر الرسمي. رقابة معلنة، لكنها لا تمنع التخزين ولا تردع البيع الموازي. وموسم يتكرر كل عام تقريبًا، فيما يظل المواطن هو الحلقة الأضعف في سلسلة تعرف الدولة كل تفاصيلها، ثم تتركها تنفلت عند أول زيادة في الطلب. وإذا كانت الحكومة جادة فعلًا، فالمعيار ليس عدد الأسطوانات التي خرجت من المصنع، بل عدد الأسر التي حصلت عليها بالسعر الرسمي من دون وساطة ولا إذلال.

