أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية تنفيذ حزمة إجراءات استباقية لتأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية السبت 28 فبراير 2026. البيان ركّز على تنويع المصادر وتكوين أرصدة استراتيجية والمتابعة اللحظية. لكن خلف لغة الاطمئنان، تبرز تساؤلات عن كلفة البدائل وشفافية الأرقام واستدامة الإمداد.
الوزارة قالت إن التحرك جاء بالتنسيق مع مجلس الوزراء والجهات المعنية لضمان تلبية احتياجات المواطنين والقطاعات الحيوية، معتبرة أن أمن الطاقة ركيزة للأمن القومي. الصياغة قوية. غير أن اختبارها الحقيقي يبدأ مع توقف بعض الإمدادات القادمة من شرق المتوسط نتيجة الضربات العسكرية الأخيرة.
توقف إمدادات وبدائل مكلفة
في ملف الغاز الطبيعي، أكدت الوزارة أنها تابعت عن كثب توقف بعض الإمدادات من شرق المتوسط، وأن لديها قدرات بديلة متنوعة لتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة والمواطنين. لم تُفصح عن حجم النقص أو مدته. ولم تُعلن تكلفة التعويض عبر الغاز المسال.
البدائل المعلنة شملت الإنتاج المحلي، والتعاقد على شحنات من الغاز الطبيعي المسال من شركات عالمية، وتشغيل سفن التغييز ضمن بنية تحتية قائمة. هذه خطوات فنية معروفة. لكنها غالبًا أعلى كلفة من الغاز المنقول عبر خطوط مباشرة.
الدكتور مدحت نافع، الخبير في سياسات الطاقة، يقول إن “الغاز المسال حل سريع لكنه أغلى. فارق السعر قد يضغط على الموازنة أو يُرحّل إلى المستهلكين بشكل غير مباشر. السؤال ليس هل توجد بدائل، بل كم ستكلف، ومن سيتحمل الفاتورة”.
الوزارة أشارت إلى انتظام سداد مستحقات الشركاء لتعزيز الاستكشاف والإنتاج المحلي. هذا بند مهم بعد سنوات من شكاوى شركات دولية من تأخر السداد. لكن استمرار السداد يتطلب سيولة مستقرة، في وقت ترتفع فيه كلفة الاستيراد عالميًا.
أرصدة استراتيجية.. وأرقام غائبة
فيما يخص المنتجات البترولية، أعلنت الوزارة زيادة الكميات المتاحة وتكوين أرصدة استراتيجية آمنة من البنزين والسولار والبوتاجاز لتغطية السوق المحلي. كما تحدثت عن رفع إنتاج معامل التكرير، وتنفيذ صيانة دورية، والاستغلال الأمثل للطاقات التخزينية.
البيان لم يحدد حجم الأرصدة بالأيام أو الأشهر. ولم يوضح نسبة الاكتفاء من الإنتاج المحلي مقابل المستورد. في أزمات سابقة، كشفت الأسواق عن اختناقات رغم تصريحات “الوفرة”. الشفافية في الأرقام عامل حاسم لطمأنة الرأي العام.
الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، يرى أن “تكوين مخزون استراتيجي قرار صحيح. لكن يجب إعلان نطاق زمني واضح. هل نتحدث عن 30 يومًا أم 90 يومًا؟ الفارق كبير في التخطيط المالي. كما أن الاستيراد الإضافي يعني عملة صعبة إضافية”.
الوزارة تحدثت عن استغلال البنية الأساسية الموزعة جغرافيًا، وتوفير مخزونات إضافية من المنتجات المستوردة. هذا يعني عمليًا زيادة الإنفاق قصير الأجل لضمان الاستقرار. لكنه يطرح سؤالًا عن قدرة الموازنة على تحمل صدمات ممتدة إذا طال أمد التوتر.
متابعة لحظية.. وخطة بلا أفق زمني
على صعيد الجاهزية، أكدت الوزارة استمرار المتابعة اللحظية على مدار الساعة، وإجراء تقديرات مستمرة ورصد المستجدات لضمان أمن الطاقة الوطني. كما أعلنت إعداد سيناريوهات استباقية متعددة بالتوازي مع وزارة الكهرباء لضمان استمرارية الإمدادات والحفاظ على استقرار الأسعار.
التنسيق بين البترول والكهرباء ضروري، لأن محطات التوليد تعتمد بشكل أساسي على الغاز. أي نقص يُترجم سريعًا إلى تخفيف أحمال أو زيادة في استخدام وقود بديل أعلى كلفة. الحكومة تؤكد الجاهزية. لكنها لم تحدد سقفًا زمنيًا لهذه السيناريوهات.
الخبير في شؤون الطاقة إبراهيم زهران يقول إن “إدارة الأزمة لا تعني فقط توفير شحنات إضافية، بل إعادة النظر في هيكل الاستهلاك. هل توجد خطة لترشيد منظم إذا استمرت الأزمة 3 أو 6 أشهر؟ أم نعتمد فقط على شراء المزيد مهما كان السعر؟”.
الوزارة شددت على أن الجهد الحالي يقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتأمين البنية التحتية، وتكوين أرصدة استراتيجية، والمتابعة اللحظية. هذه أركان صحيحة نظريًا. لكنها تحتاج إلى مؤشرات قياس واضحة وبيانات دورية معلنة.
حتى مساء 28 فبراير 2026، لا توجد إشارات إلى اضطرابات في الإمداد المحلي. السوق يعمل. الكهرباء مستقرة. المحطات تتلقى الغاز. غير أن توقف جزء من إمدادات شرق المتوسط كشف هشاشة الاعتماد على مصادر خارجية في لحظة توتر.
التحدي لا يكمن في أسبوع أو اثنين. بل في قدرة الحكومة على إدارة فاتورة الاستيراد إذا ارتفعت أسعار الشحن والتأمين والطاقة عالميًا. بدون شفافية في الأرقام، سيظل الرأي العام أمام بيانات عامة عن “جاهزية كاملة” دون معرفة الثمن.
أمن الطاقة ليس شعارًا. هو معادلة دقيقة بين الإمداد والكلفة والاحتياطي. الحكومة أعلنت استعدادها. الكرة الآن في ملعب التنفيذ والإفصاح. لأن أي تعثر في هذا القطاع لن يكون مجرد رقم في الموازنة، بل أزمة تمس كل بيت ومصنع في البلاد.

