تواجه منظومة التعليم الجامعي في مصر تحديات متزايدة مرتبطة بنقص الكوادر الأكاديمية، في ظل الزيادة المستمرة في أعداد الطلاب والتوسع في إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة. الأزمة باتت تمس فاعلية العملية التعليمية والبحث العلمي، وتطرح تساؤلات حول إدارة الموارد البشرية وضمان جودة المخرجات.
يرى الدكتور محمد كمال، أستاذ الإدارة التعليمية، أن “الفجوة بين التوسع الكمي في الجامعات والنمو الفعلي في أعداد أعضاء هيئة التدريس اتسعت خلال السنوات الأخيرة”، موضحا أن أي خلل في هذا التوازن ينعكس مباشرة على جودة التدريس والإشراف الأكاديمي.
تحركات برلمانية وأسئلة حول السياسات الحكومية
شهد ملف العجز تحركات رقابية داخل مجلس النواب، حيث تقدمت النائبة سجى عمرو هندي بطلب إحاطة موجه إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للاستفسار عن السياسات المتبعة لمواجهة النقص في الكوادر الجامعية. الطلب ركز على آليات التعيين وخطط الاستقطاب.
وتضمن طلب الإحاطة تساؤلات حول خطط استقطاب العلماء المصريين العاملين في الخارج وإدماجهم في الهياكل الجامعية المحلية، إضافة إلى مراجعة سياسات الابتعاث والعودة لضمان تدفق الخبرات العلمية. التحرك البرلماني يعكس إدراكا رسميا بحجم المشكلة.
الدكتورة نورا علي، أستاذة السياسات العامة، تقول إن “المساءلة البرلمانية تمثل خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى بيانات دقيقة وخطط زمنية واضحة”، مشيرة إلى أن معالجة العجز تتطلب تنسيقا بين الجوانب المالية والإدارية والتشريعية.
وتضيف أن ملف استقطاب الكفاءات في الخارج لا يرتبط فقط بالدعوات الرسمية، بل بتهيئة بيئة بحثية جاذبة، تشمل التمويل والاستقلال الأكاديمي وفرص الترقي. من دون ذلك يصعب تحقيق عودة مستدامة للخبرات.
أسباب هيكلية وراء نقص الكوادر الأكاديمية
تشير بيانات متداولة في الأوساط الأكاديمية إلى أن النقص يرتبط بعوامل متداخلة، من أبرزها تراجع معدلات التعيين خلال السنوات الماضية، مقابل زيادة أعداد الطلاب والتوسع في إنشاء جامعات وبرامج جديدة دون نمو مواز في الموارد البشرية.
كما تشمل الأسباب هجرة الكفاءات الأكاديمية إلى الخارج، وتعقيدات الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتعيين والترقيات، وتأخر الموافقات المالية اللازمة لتوظيف المعيدين الجدد. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى فجوة تراكمية في بعض التخصصات.
الدكتور عادل عبد الغفار، الخبير في شؤون التعليم العالي، يوضح أن “طول المسار الزمني للحصول على درجة الدكتوراه يؤخر دخول كوادر جديدة إلى سوق العمل الأكاديمي”، مشيرا إلى أن سياسات التعيين المقيدة تحد أحيانا من استقطاب خريجين من جامعات مختلفة.
ويؤكد أن بعض الجامعات تواجه صعوبات في استكمال الهياكل الأكاديمية بسبب اشتراطات إدارية ومالية، ما يبطئ إجراءات التعيين حتى بعد استيفاء الشروط العلمية. هذا البطء يؤثر على استدامة الأقسام العلمية.
تفاوت جغرافي وضغوط على جودة التعليم
تظهر مؤشرات التوزيع المؤسسي لأعضاء هيئة التدريس تركزا واضحا في الجامعات الكبرى داخل العاصمة، مقابل نقص ملحوظ في الجامعات الإقليمية والحديثة. هذا التفاوت يخلق فجوة في فرص التعلم والإشراف البحثي بين الطلاب.
وتضطر بعض الجامعات الإقليمية إلى الاعتماد على الانتدابات المؤقتة من جامعات أخرى لسد العجز. هذا الحل يوفر استمرارية شكلية، لكنه يحد من استقرار العملية التعليمية وبناء مجتمعات بحثية مستقلة داخل تلك المؤسسات.
الدكتورة رانيا المشاط، خبيرة اقتصاديات التعليم، تشير إلى أن “زيادة الأعباء التدريسية على الأعضاء المتاحين تؤثر على جودة التفاعل داخل القاعات الدراسية”، موضحة أن ارتفاع نسبة الطلاب إلى عضو هيئة التدريس ينعكس سلبا على الإشراف الأكاديمي.
ويرتبط العجز أيضا بتراجع القدرة على الإنتاج البحثي، نتيجة ضغوط الوقت وتعدد المهام. هذا الوضع يؤثر على مؤشرات أداء الجامعات في التصنيفات الدولية، التي تعتمد جزئيا على حجم النشر العلمي ونسب أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب.
وتتجه النقاشات في الأوساط التعليمية إلى مسارات معالجة متعددة، تشمل تحسين الأوضاع المادية والمهنية لأعضاء هيئة التدريس، وتطوير آليات استقطاب الكفاءات المصرية في الخارج، وتبسيط إجراءات التعيين والترقيات.
كما يطرح بعض الخبراء منح الجامعات قدرا أكبر من الاستقلال المالي والإداري لتسريع سد العجز الوظيفي، مع وضع ضوابط رقابية تضمن الشفافية. ويبرز توظيف التعليم الرقمي كخيار مساند لتخفيف الضغط التدريسي، ضمن أطر تضمن جودة المحتوى.
الدكتور محمد كمال يرى أن “التعليم الرقمي يمكن أن يخفف العبء في المقررات ذات الأعداد الكبيرة، لكنه لا يغني عن وجود كوادر بشرية كافية”، مؤكدا أن الحل الجذري يظل في التخطيط البشري طويل المدى.
في المحصلة، تمثل أزمة العجز في أعضاء هيئة التدريس تحديا هيكليا يؤثر في جودة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر. المعالجة تتطلب تكاملا بين التخطيط البشري والسياسات المالية وإدارة التوسع المؤسسي. ويظل تحقيق التوازن بين النمو الكمي وتوافر الكوادر المؤهلة شرطا أساسيا لضمان جودة المخرجات الأكاديمية واستدامة التطوير الجامعي.

