أصدرت عدة دول خلال الساعات الأخيرة تحذيرات رسمية لمواطنيها من السفر إلى إيران وإسرائيل والضفة الغربية، ودعت الموجودين هناك إلى المغادرة “عند الإمكان” أو “فورًا” وفق صياغات متفاوتة، تحسبًا لاحتمال تصعيد عسكري. التحذيرات جاءت بالتوازي مع توتر متصاعد حول الملف النووي الإيراني، وتحركات عسكرية أمريكية، ومخاوف من ردود إيرانية قد تمتد إلى مسارات السفر والمطارات والمناطق المدنية.
في طهران، ركزت الإشعارات على تدهور البيئة الأمنية وإمكانية تعطّل الرحلات أو إغلاق المجال الجوي. وفي إسرائيل والضفة الغربية، حذرت تنبيهات أمريكية من مخاطر الإرهاب والاضطرابات واحتمال “نزاع مسلح”، مع توصيات عملية للمواطنين حول تقييم المغادرة وتجنب مناطق بعينها.
موجة تحذيرات من إيران.. “غادروا فورًا” وقلق من إغلاق الأجواء
تصدرت إيران قائمة التحذيرات. الصين دعت مواطنيها إلى إخلاء إيران بسبب “ارتفاع المخاطر الأمنية الخارجية” وفق ما نُقل عن بيانات رسمية. الهند أبلغت رعاياها في إيران بضرورة المغادرة “بأي وسيلة متاحة”، بما في ذلك الرحلات التجارية، مع التنبيه لتجنب مناطق الاحتجاجات ومتابعة بيانات السفارة.
كذلك، شملت التحذيرات دولًا أوروبية وآسيوية. بولندا تحدثت عن وضع “غير مستقر” و”خطر تصعيد مرتفع”، مع تحذير صريح من احتمال إغلاق المجال الجوي وصعوبة العودة جوًا. ألمانيا أشارت إلى أن الرحلات التجارية ما زالت تعمل، لكنها دعت إلى المغادرة ما دامت السبل متاحة، بينما أبقت سنغافورة توصيتها بتأجيل السفر إلى إيران في ظل “توترات إقليمية” ومخاوف أمنية.
الولايات المتحدة تُبقي على تحذيرها الأشد تجاه إيران: “لا تسافروا لأي سبب”، وتطلب من مواطنيها الموجودين هناك “المغادرة فورًا”، مع التذكير بعدم وجود سفارة أمريكية في إيران وما يعنيه ذلك من محدودية الدعم القنصلي. هذه الصياغة تُستخدم عادة عندما ترى واشنطن مخاطر اعتقال تعسفي أو اضطرابات أو تهديدات أمنية واسعة.
ويضع خبراء أمنيون هذه التطورات في إطار “سلوك احترازي” من الحكومات قبل لحظات التحول. في تحليل لمزود خدمات المخاطر International SOS، قالت جيسيكا تريكياس (Lead Security Analyst) إن توقع استمرار الأعمال العدائية “لعدة أيام” يفرض على الأفراد والمؤسسات خطط خروج واضحة ومراجعة مسارات السفر.
إسرائيل والضفة الغربية.. مغادرة موظفين وتحذير من “نزاع مسلح”
على الجانب الآخر، ارتفعت نبرة التحذيرات بشأن إسرائيل والضفة الغربية. واشنطن سمحت بمغادرة بعض العاملين غير الأساسيين وعائلات الدبلوماسيين، ورفعت مستوى التحذير في تنبيه السفارة بالقدس، متحدثة عن مخاطر الإرهاب والاضطرابات وإمكانية اندلاع “صراع مسلح” في إسرائيل والضفة الغربية وغزة ومناطق حدودية. هذه الإشارة ترتبط بمخاوف من رد إيراني أو توسع عمليات عسكرية في أكثر من ساحة.
وذكرت تقارير صحفية أن توجيهات داخلية في السفارة الأمريكية شددت على المغادرة السريعة لمن يختار ذلك، مع تغطية تكاليف الإجلاء لبعض الفئات، في خطوة تعكس تقديرًا أمريكيًا لاحتمال تدهور الأوضاع دون إنذار طويل. كما لفتت التغطيات إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، بما في ذلك نشر أصول جوية وقدرات إسناد، بالتزامن مع مسار تفاوضي لم يغلق الباب أمام الحلول السياسية.
ويرى آدم لاخاني (Security Director for Information and Analysis) في International SOS أن “تغير النصائح بسرعة” يظل سمة أساسية في الأزمات الإقليمية، وأن الإرشادات قد تتبدل خلال ساعات مع أي تطور ميداني أو قرار بإغلاق مسار جوي أو توسيع نطاق العمليات. هذا التقييم يفسر نصائح دول عدة لمواطنيها بتأمين وثائق السفر ومسارات بديلة بدل الاعتماد على خيار واحد.
لماذا الآن.. ملف نووي ومحادثات جنيف وفيينا وتأثيرات تتجاوز الأمن
خلفية التحذيرات ترتبط بملفين متوازيين: ضغط عسكري وسياسي متصاعد، ومسار تفاوضي لم يصل لاتفاق. المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة عمان، عقدت جولات في جنيف، مع حديث عن “تقدم” دون إعلان صفقة نهائية، وبحسب تغطيات صحفية من المنتظر استكمال نقاشات فنية في فيينا، وهو ما يبقي سيناريوهات التصعيد قائمة حتى مع استمرار الدبلوماسية.
في هذا السياق، حذر رافائيل غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن الوكالة تواجه قيودًا على التحقق الميداني في بعض المحطات، وأن حجم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب يظل عنصرًا حساسًا في أي تفاوض أو مواجهة. تصريحات غروسي تُستخدم عادة كمؤشر على تعقيد ملف التحقق، وهو أحد مفاتيح القلق الدولي في أي أزمة مرتبطة بالنووي.
التحذيرات لا تُقرأ أمنيًا فقط. فأسواق الطاقة تتأثر سريعًا باحتمال اضطراب إمدادات الخليج أو تهديد الملاحة. فريدون فشراكي (Chairman Emeritus في FGE NexantECA) قال إن صعود النفط إلى نطاقات مرتفعة مثل $90–$100 “ضمن الممكن” إذا اقتربت المنطقة من حرب مفتوحة، مشيرًا إلى أن السوق يضيف “علاوة مخاطر” كلما زادت احتمالات الصدام. هذه القراءة تفسر لماذا تضع بعض الحكومات إغلاق الأجواء واضطراب السفر ضمن سيناريوهاتها المبكرة.
وبين التحذيرات من إيران وتلك المتعلقة بإسرائيل والضفة الغربية، تتقاطع الرسالة الأساسية: الدول تستعد لاحتمالات تتراوح بين تصعيد محدود وامتداد المواجهة إلى ساحات متعددة. وفي ظل هذا التذبذب، تظل توصيات القنصليات متغيرة، مرتبطة بقدرة الرحلات التجارية على الاستمرار وبمؤشرات الميدان أكثر من البيانات السياسية وحدها.

