قفز العجز الكلي في موازنة 2024/2025 إلى مستوى غير مسبوق، بعد ارتفاعه بنسبة 155.7% خلال عام واحد فقط، من 504 مليارات جنيه إلى نحو 1.29 تريليون جنيه، في تطور يكشف فشل نموذج إدارة المالية العامة القائم على الاقتراض والجباية، لا على إصلاح حقيقي للإنفاق والإيرادات، ويضع الاقتصاد تحت رحمة الدائنين في الداخل والخارج ويحمّل المجتمع تكلفة انفلات عجز صنعته سياسات حكومة الانقلاب نفسها.

 

عجز قياسي بلا سقف وتمويل بالديون

 

التقارير الخاصة بالحساب الختامي تشير إلى تضاعف نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي من 3.6% إلى 7.2% في عام واحد، وارتفاع نسبة العجز إلى إجمالي الإيرادات من 19.8% إلى 48.8%، بما يعني عملياً أن ما يقرب من نصف الإيرادات فقط صار يذهب مباشرة لسد فجوة العجز، وهو ما يقرّ به محللون يرون أن نمو المصروفات خرج تماماً عن السيطرة مقارنة بنمو الإيرادات، وأن الحكومة تدفع بالاقتصاد إلى حلقة مفرغة عنوانها مزيد من الديون مقابل انهيار تدريجي لقدرة الدولة على الإنفاق المنتج.

 

المحللون يؤكدون أن هذا الارتفاع الحاد في العجز يجبر الحكومة على تغطيته بالاقتراض الداخلي والخارجي، وهو ما يضخم الدين العام ويزيد عبء خدمته على حساب الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، ويُضعف ثقة المستثمرين المحليين والأجانب مع اتساع المخاطر التي تعكسها مؤشرات العجز، بينما تروّج السلطة لخطاب "الانضباط المالي" رغم أن الأرقام تعكس عكس ذلك تماماً، وتؤكد أن الموازنة تسير بسرعة في اتجاه لا يمكن تحمله مجتمعياً ولا اقتصادياً.

 

المفارقة أن الإيرادات الضريبية نفسها ارتفعت بنسبة 35% لتصل إلى نحو 2.2 تريليون جنيه، ما يعني أن الدولة رفعت بالفعل جبايتها من المجتمع والقطاع الخاص، لكن توسع المصروفات الحكومي سبق هذه الزيادة بهامش واسع، فتحوّل الضغط الضريبي إلى مجرد وقود إضافي لعجلة عجز تتسارع بدلاً من أن يكون أداة لتصحيح المسار، في سياق يبدو فيه أن حكومة الانقلاب اختارت الطريق الأسهل مالياً والأثقل اجتماعياً عبر الضرائب والرسوم والديون، دون أي التزام بإصلاح بنية الإنفاق العام.

 

حساب @grok قدّم قراءة مبسطة للنتائج حين أوضح أن وصول العجز إلى 7.4% في يونيو 2025 يعني ببساطة أن الحكومة تنفق أكثر مما تجني بشكل مستمر، ما يدفعها إلى مزيد من الاقتراض ورفع أسعار الفائدة وزيادة الضغط على الجنيه، وأن النتيجة المباشرة على المواطنين ستكون تضخماً أعلى، وزيادة في الضرائب أو تقليلاً في الدعم، وتباطؤاً في النمو، بينما تحاول الحكومة التظاهر بخفض الدين الخارجي وسط ضغوط متصاعدة، وهو ما وثّقه تقرير يرصد التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية في مصر بين 26 سبتمبر و3 أكتوبر 2025.

 

فوائد دين تبتلع الموازنة وتخنق المجتمع

 

البيانات تكشف أن العام المالي 2024/2025 شهد قفزة في مدفوعات فوائد الدين تجاوزت التقديرات الأولية بنحو 84.6 مليار جنيه، لترتفع من 1.8 تريليون إلى أكثر من 1.9 تريليون جنيه، بنسبة زيادة سنوية بلغت 40.6% مقارنة بالعام السابق، لتصبح الفوائد أكبر بند منفرد في مصروفات الدولة، وتشكل نحو 49.1% من إجمالي المصروفات و72.6% من إجمالي الإيرادات، وهو ما يعني أن أكثر من نصف الإنفاق الحكومي يذهب عملياً لسداد فوائد الديون وحدها، بينما يترك التعليم والصحة والدعم والاستثمار في آخر الصف مع فتات موازنة منكمشة تحت عبء الاستدانة.

 

وزارة المالية تحاول تبرير هذه الطفرة في الفوائد بارتفاع تكلفة الاقتراض خصوصاً عبر أدوات الدين قصيرة الأجل، وبانخفاض قيمة الجنيه الذي رفع تكلفة الفوائد المقومة بالدولار واليورو، لكن هذا التبرير لا يغيّر من الحقيقة الأساسية، وهي أن الحكومة هي من اختارت الاعتماد المكثف على هذه الأدوات والديون، وأنها هي من سمحت بانهيار الجنيه عبر سياسات نقدية ومالية كارثية، ثم عادت لتحمّل المجتمع تكلفة المعالجة عبر خدمة دين تبتلع الموازنة وتخنق أي مجال لإنفاق منتج أو اجتماعي يحمي الفئات الأضعف.

 

بيانات البنك المركزي نفسها تظهر اتساع هذا الفخ؛ فإجمالي الأرصدة القائمة من أذون الخزانة وصل إلى 4.38 تريليون جنيه بنهاية 2024/2025، بينما ارتفع بند سداد أقساط القروض إلى 1.6 تريليون جنيه مقابل 1.28 تريليون في العام السابق، بنسبة زيادة 24.8%، ما يعني أن الدولة باتت تحوّل كتلة هائلة من مواردها الحالية والمستقبلية إلى البنوك والدائنين، وأن كل جنيه إضافي للفوائد والأقساط يقتطع مباشرة من قدرة الحكومة على الإنفاق الاجتماعي والتنموي، في نموذج يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.

 

الباحث الاقتصادي محمد رمضان يشدد في هذا السياق على ضرورة الكشف الصريح عن العوائد المالية الناتجة عن عمليات البيع التي تجريها الدولة، وضمان ألا تُستخدم فقط في سد العجز المالي، بل أن يكون لها مردود حقيقي على الاقتصاد وتحسين أوضاع المواطنين، محذراً من أن توجيه حصيلة الخصخصة وبيع الأصول إلى إطفاء عجز متضخم ودين متفاقم يعني عملياً تسييل ثروة المجتمع لتغطية فجوة صنعتها سياسات فاشلة، لا لإقامة قاعدة إنتاجية جديدة أو حماية مستويات المعيشة.

 

استثمار عام ينكمش ونظام مالي يخرج عن السيطرة

 

الحسابات التي يعرضها الأكاديمي ورجل الأعمال محمود وهبة للموازنة والحساب الختامي بين 2023/2024 و2024/2025 تكشف بدورها عن فجوة مقلقة بين التقديرات الحكومية والنتائج الفعلية؛ فقد قدّرت موازنة 2023/2024 الإنفاق عند 3.9 تريليون جنيه بينما كشف الحساب الختامي إنفاقاً فعلياً بلغ 4.37 تريليون، وارتفع العجز فعلياً رغم استهداف 7.3% من الناتج، كما أن الإيرادات المقدرة عند 2.6 تريليون لم تتجاوز فعلياً 2.1 تريليون جنيه، ما يعني أن الحكومة تقدّم للمجتمع أرقاماً متفائلة لا تعكس الواقع ولا مسار الإنفاق والعجز الحقيقيين.

 

وهبة يشير أيضاً إلى أن البنك المركزي أعلن في 11 أغسطس 2025 عن طرح سندات خزانة بقيمة 22.5 مليار جنيه لتمويل عجز الموازنة على آجال بين عامين وخمس سنوات، بما يؤكد استمرار اعتماد الحكومة على الاقتراض كحل أول وأخير، ثم يعود في تغريدات أخرى ليقدّم رؤية شديدة النقد لدور البنك المركزي المصري، معتبراً أنه تحول إلى خطر على الاقتصاد عبر طباعة العملة وتحديد السيولة وأسعار الفائدة وسعر الصرف، واستخدام ودائع الشعب في تمويل عجز الموازنة، والتصرف وكأن الاقتراض بلا حدود.

 

 

في هذه الرؤية يقترح وهبة أن مصر ستكون أفضل من دون بنك مركزي، عبر تبني نظام مجلس العملات Currency Board كبديل فني يمنع طباعة الجنيه خارج غطاء حقيقي، ويوقف التضخم وذبذبة سعر الصرف، ويحرم الحكومة من استخدام ودائع المواطنين لسد العجز، وهو طرح يعكس حجم اليأس من طريقة إدارة السياسة النقدية والمالية في دولة الانقلاب، حتى بين خبراء يملكون خبرة عملية وأكاديمية طويلة.

 

هيكل الاستثمارات يضيف بعداً آخر للأزمة؛ فالعام نفسه شهد انخفاض الاستثمار العام من 627.5 مليار جنيه إلى 526.6 مليار، مقابل ارتفاع الاستثمار الخاص من 474.7 مليار إلى 590.7 مليار جنيه، بينما تروّج وزارة المالية لهذا التحول باعتباره دليلاً على توسع دور القطاع الخاص، في حين أن الواقع يشير إلى أنه تقليص اضطراري للإنفاق الرأسمالي الحكومي تحت ضغط العجز والديون، بما يضعف قدرة الدولة على تنفيذ خطط تنموية حقيقية خاصة في قطاعات استراتيجية تحتاج لاستثمار عام كثيف لا يمكن للقطاع الخاص وحده أن يتحمله أو يوجّهه.

 

الخبير الاستثماري هاني توفيق حذّر مراراً في كتاباته وتصريحاته من أن استمرار سد العجز عبر الاقتراض الداخلي والخارجي، مع تقليص الاستثمار العام، يحوّل الموازنة إلى أداة لخدمة الديون لا لخدمة التنمية، ويجعل أي حديث رسمي عن "تمكين القطاع الخاص" مجرد ستار لتراجع الدولة عن مسؤولياتها الرئيسية في البنية الأساسية والخدمات، بينما يدفع المستثمرون الجادون ثمن ارتفاع الفائدة وعدم الاستقرار المالي.

 

ومن جانبه يشير الكاتب والباحث الاقتصادي وائل جمال في تحليلاته إلى أن تحميل المجتمع مزيداً من الضرائب وتقليص الدعم مع الإبقاء على نفس نمط الإنفاق الكبير على الفوائد والمشروعات غير ذات الأولوية، يعني عملياً أن الحكومة تحاول معالجة أزمة من صنعها بأدوات تزيدها عمقاً، وأن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى ارتفاع الفقر والبطالة والضغط على دخول المواطنين، وهي المخاطر نفسها التي خلصت إليها تقارير منصات مثل "الموقف المصري" و"صحيح مصر" عندما أكدت أن عجزاً بهذا الحجم لا يمكن التعامل معه إلا بتغيير جذري في السياسات لا بمجرد ترقيع بالأدوات نفسها.

 

هذه التقارير ترى أن الحكومة لم تعد قادرة على الاستمرار في نموذج الاعتماد على أدوات الدين القصيرة الأجل ورفع الفائدة وخفض الاستثمار العام، وأن المطلوب هو مسار عكسي يقوم على تقليل الاعتماد على هذه الأدوات، وخفض الاستدانة تدريجياً، وإعادة هيكلة بنود الإنفاق والإيرادات، ومراجعة قرار خفض الاستثمار العام في بلد يحتاج إلى استثمارات واسعة للخروج من أزمته، لكن حكومة الانقلاب تفضّل حتى الآن تحميل المجتمع فاتورة العجز والديون، بدلاً من أن تتحمل هي مسؤولية تغيير نموذج أثبتت الأرقام أنه يقود إلى حافة الهاوية المالية.