عاد قرار المحكمة البريطانية العليا بإلغاء تصنيف منظمة Palestine Action كتنظيم إرهابي فتح نقاش واسع داخل المملكة المتحدة وأوروبا حول تعريف الإرهاب وحدود الاحتجاج السياسي وحرية التعبير، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل منذ اندلاع الحرب على غزة.
فالحكم، رغم أنه لا يلغي الحظر نهائيًا مع استمرار الإجراءات القانونية، اعتُبر نقطة تحول قانونية وسياسية، إذ وضع الحكومة البريطانية أمام تساؤلات صعبة بشأن استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في مواجهة حركات احتجاجية، بينما رأى ناشطون في القرار اعترافًا قضائيًا بشرعية مساحة التضامن السياسي مع فلسطين داخل الغرب.
المحكمة تتحدى الحكومة: تعريف الإرهاب تحت الاختبار القانوني
جاء حكم المحكمة العليا البريطانية ليشكك في الأساس القانوني الذي استندت إليه الحكومة عند إدراج المنظمة ضمن قائمة التنظيمات المحظورة بموجب قانون الإرهاب لعام 2000. فبحسب المحكمة، لم يستوف قرار الحظر المعايير القانونية اللازمة لتعريف النشاط الإرهابي، كما أثار مخاوف جدية تتعلق بحرية التعبير وحق التجمع.
وكان قرار الحظر قد وضع المنظمة في التصنيف ذاته مع تنظيمات مسلحة مثل القاعدة وداعش، ما جعل مجرد الانتماء إليها أو التعبير عن دعمها جريمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى السجن لسنوات طويلة. هذا التوسع في استخدام قوانين الإرهاب أثار انتقادات واسعة من حقوقيين وأكاديميين اعتبروا أن الحكومة تخلط بين العمل الاحتجاجي الراديكالي والنشاط الإرهابي المنظم.
رد فعل الحكومة جاء سريعًا، إذ أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية عزمها الطعن على الحكم أمام محكمة الاستئناف، معربة عن خيبة أملها من القرار. وهو ما يعكس أن المعركة القانونية لم تنته بعد، بل دخلت مرحلة جديدة قد تحدد مستقبل العلاقة بين الدولة وحركات الاحتجاج السياسي في البلاد.
من حملة احتجاجية إلى قضية رأي عام أوروبية
تأسست Palestine Action عام 2020 كحملة تستهدف الشركات المرتبطة بالصناعات العسكرية الإسرائيلية داخل بريطانيا، خصوصًا فروع شركة Elbit Systems الدفاعية. واعتمدت المنظمة على أساليب احتجاج مباشرة، شملت اقتحام مواقع صناعية وتعطيل العمل بها وإتلاف معدات، في محاولة للضغط من أجل وقف التعاون العسكري مع إسرائيل.
هذه الأساليب جعلت المنظمة محل جدل دائم؛ فبينما اعتبرها أنصارها حركة عصيان مدني تستهدف شركات متورطة في النزاعات العسكرية، رأت السلطات البريطانية أنها تجاوزت حدود الاحتجاج السلمي إلى أعمال تخريب تستوجب إجراءات صارمة.
تصاعد الجدل بشكل أكبر بعد اعتقال عشرات النشطاء وفرض قيود مشددة على التظاهر عقب قرار الحظر العام الماضي. كما أثارت القضية مخاوف داخل الأوساط الحقوقية من أن يؤدي توسيع تعريف الإرهاب إلى تجريم أشكال من النشاط السياسي التقليدي، خاصة في القضايا المرتبطة بالسياسة الخارجية.
وأعربت منظمات حقوق رقمية وصحفيون وأكاديميون في أوروبا والولايات المتحدة عن قلقهم من تداعيات القرار الحكومي، محذرين من تأثيره المحتمل على حرية التعبير والنشاط الرقمي، وهو ما حول القضية من شأن داخلي بريطاني إلى نقاش أوروبي أوسع حول الحريات المدنية.
قضية Filton 24 ومستقبل الاحتجاج: انتصار مؤقت أم بداية صراع أطول؟
ارتبط الحكم القضائي أيضًا بمصير مجموعة من النشطاء المعروفة إعلاميًا باسم Filton 24، الذين وُجهت إليهم اتهامات بعد اقتحام منشأة مرتبطة بسلاح الجو الملكي البريطاني وإلحاق أضرار بمعدات عسكرية خلال احتجاجات سابقة.
ورغم اعتراف عدد من المتهمين بدخول الموقع دون إذن وإتلاف معدات، فإن هيئة المحلفين لم تتوصل إلى أحكام إدانة، بعد مداولات طويلة استند خلالها الدفاع إلى وجود “مبرر قانوني” لأفعالهم، وهو ما عزز رواية النشطاء بأن نشاطهم يندرج ضمن الاحتجاج السياسي وليس الإرهاب.
يرى أعضاء في المنظمة أن حكم المحكمة العليا يمنحهم دفعة قانونية ومعنوية، خاصة في ما يتعلق بمحاولات إعادة محاكمة بعض النشطاء، إذ يسعون لإقناع الادعاء العام بأن استمرار الملاحقات القضائية لا يخدم المصلحة العامة.
لكن في المقابل، لا تزال السلطات البريطانية متمسكة بموقفها، وسط مخاوف رسمية من أن يؤدي الحكم إلى تشجيع أشكال أكثر تصعيدًا من الاحتجاج المباشر ضد المؤسسات الصناعية والعسكرية.
وبين احتفاء النشطاء بالحكم باعتباره انتصارًا للحريات المدنية، وإصرار الحكومة على استئناف القرار، تبدو القضية مرشحة للاستمرار كواحدة من أهم المعارك القانونية والسياسية في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة؛ معركة لا تتعلق فقط بمنظمة بعينها، بل بالسؤال الأوسع: أين ينتهي الاحتجاج المشروع، وأين يبدأ الإرهاب في الديمقراطيات الغربية؟

