في وقت تؤكد فيه البيانات الرسمية أن إنتاج الدواجن المحلي يغطي نحو 95% من احتياجات السوق المصري، شهدت الأسعار قفزة جديدة قبل حلول شهر رمضان، بالتزامن مع قرار حكومي باستيراد دواجن مجمدة من الخارج.

القرار، الذي قُدِّم باعتباره محاولة لضبط الأسعار، أثار موجة انتقادات واسعة بين الخبراء والمربين، الذين اعتبروا أن الدولة تنفق الدولار على سلعة متوافرة محليًا بدلًا من دعم الإنتاج الوطني، ما أدى إلى اضطراب السوق وزيادة الضغوط على المستهلكين وصغار المنتجين في آن واحد.

 

95% اكتفاء ذاتي.. فلماذا ترتفع الأسعار؟

 

أعاد ارتفاع أسعار الدواجن بنحو 15% خلال أيام قليلة طرح السؤال الأهم داخل السوق: كيف ترتفع الأسعار رغم تحقيق شبه اكتفاء ذاتي؟ فقد صعد سعر الكيلو في المزارع من نحو 65 جنيهًا إلى 85 جنيهًا، بينما تجاوز للمستهلك حاجز 110 جنيهات في بعض المناطق.

 

يرى خبراء الاقتصاد الزراعي أن الأزمة ليست في حجم الإنتاج، بل في تكلفة الإنتاج التي ارتفعت بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، خاصة أسعار الأعلاف والطاقة والنقل. فصناعة الدواجن تعتمد على دورة إنتاج قصيرة لا تتجاوز 35 يومًا، ما يجعل أي زيادة مفاجئة في التكاليف تنعكس فورًا على السعر النهائي.

 

ويؤكد مختصون أن غياب سياسات حكومية مستقرة لتنظيم سوق الأعلاف وضبط حلقات التداول أدى إلى انتقال الزيادات مباشرة إلى المستهلك، بينما بقي المربي معرضًا للخسارة في أي لحظة، ما خلق سوقًا غير مستقرة تتحرك بالصدمة لا بالتخطيط.

 

الدواجن المستوردة.. حل إعلامي يضغط على الصناعة

 

اعتبر كثير من الخبراء قرار استيراد الدواجن المجمدة قبل رمضان خطوة بلا جدوى اقتصادية حقيقية. فالمستهلك المصري، وفق العاملين في القطاع، يفضل الدواجن الطازجة الحية، ما يجعل تأثير المنتج المستورد محدودًا على الطلب الفعلي.

 

وتمثل الانتقاد الأكبر في أن الدواجن المستوردة تُباع أحيانًا بأسعار أعلى من المحلية، وهو ما يطرح تساؤلات حول الهدف من الاستيراد إذا لم ينجح في خفض الأسعار. ويرى اقتصاديون أن الحكومة تلجأ إلى الاستيراد كحل سريع لتهدئة السوق مؤقتًا، دون معالجة الأسباب الحقيقية للغلاء.

 

كما حذر مربون من أن إدخال كميات مستوردة في توقيت حساس يربك حسابات الإنتاج المحلي، إذ يخشى صغار المنتجين من انهيار الأسعار فجأة بعد بدء دورة التربية، ما يدفع بعضهم إلى تقليل الإنتاج أو الخروج من السوق نهائيًا، وهو ما قد يخلق أزمة أكبر لاحقًا.

 

استنزاف الدولار.. والمواطن يدفع الثمن مرتين

 

أكثر ما أثار الجدل هو استخدام العملة الأجنبية لاستيراد سلعة تحقق فيها مصر اكتفاءً شبه كامل. ويرى خبراء صناعة الدواجن أن توجيه الدولار إلى هذا القطاع يمثل إهدارًا لمورد نادر تحتاجه الدولة لاستيراد سلع لا تنتجها محليًا.

 

ويحذر ممثلو القطاع من أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ يؤدي الضغط على المربين إلى تقليص الإنتاج، ما يقلل المعروض مستقبلًا ويرفع الأسعار بشكل أكبر، لتجد الدولة نفسها مضطرة إلى الاستيراد بصورة دائمة بدلًا من الاعتماد على الإنتاج الوطني.

 

وفي الوقت نفسه، يتحمل المواطن التكلفة مرتين: الأولى عبر ارتفاع الأسعار المحلية نتيجة زيادة التكاليف، والثانية عبر إنفاق العملة الأجنبية التي تؤثر بدورها على الاقتصاد وأسعار السلع الأخرى.

 

ويرى محللون أن الأزمة الحالية تكشف خللًا أعمق في إدارة ملف الأمن الغذائي، حيث يتم التعامل مع السوق بردود فعل سريعة بدلًا من وضع استراتيجية طويلة المدى تدعم الإنتاج المحلي وتحقق استقرار الأسعار. فبدلًا من الاستثمار في تطوير المزارع وتحسين كفاءة الإنتاج وتقليل تكلفة الأعلاف، يجري اللجوء إلى الاستيراد كمسكن مؤقت لا يعالج أصل المشكلة.

 

في النهاية، تبدو أزمة الدواجن قبل رمضان نموذجًا واضحًا لصراع بين وفرة الإنتاج وسوء الإدارة؛ فبين اكتفاء ذاتي يصل إلى 95% وقرارات استيراد تستنزف الدولار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل المشكلة في نقص الدواجن فعلًا، أم في السياسات التي تدير السوق؟