أصدر وزير الصحة قراراً عاجلاً رقم (44) لسنة 2026 باستبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات 182 لسنة 1960، تنفيذاً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر فى 16 فبراير 2026، الذى قضى بعدم دستورية بعض الإجراءات السابقة فى تعديل الجداول.
القرار يبدو فنياً، لكنه يكشف خللاً تشريعياً ممتداً فى إدارة ملف المخدرات، ويفتح باباً واسعاً للطعن على أحكام صدرت فى ظل جداول اعتبرتها المحكمة غير دستورية، وهو ما يثير أسئلة قانونية واجتماعية وسياسية فى آن واحد.
فراغ تشريعى فى جداول المخدرات وآثاره على القضايا
حكم «الدستورية» جاء امتداداً لمسار بدأته محكمة النقض عندما أوقفت السير فى طعن جنائى على حكم اتجار بالمخدرات، وأحالت الملف للمحكمة الدستورية للفصل فى مدى دستورية قرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 ثم 660 لسنة 2023، الخاص باستبدال الجداول الملحقة بقانون المخدرات.
رأت النقض أن هذا القرار صدر دون تفويض تشريعى صريح من البرلمان، بالمخالفة للمادتين 5 و95 من الدستور، وبما يمثل تغولاً من السلطة التنفيذية على اختصاص المشرع.
قرار وزير الصحة الجديد يحاول تصحيح هذا الوضع عبر إعادة ترتيب الاختصاص، بحيث يصدر تعديل الجداول عن جهة وزارية تعمل فى إطار تفويض تشريعى واضح، لا عن قرار إدارى من رئيس هيئة.
لكن الفترة بين صدور قرارات هيئة الدواء فى 2023 وحكم «الدستورية» فى فبراير 2026 شهدت تحقيقات وأحكاماً استندت إلى جداول ثبت لاحقاً أن أساسها الدستورى معيب، ما يفتح الباب أمام عدد كبير من الطعون وإعادة النظر فى قضايا جارية، وربما طلبات إخلاء سبيل فى قضايا قائمة إذا انتفى الأساس القانونى لتجريم بعض المواد أو تغير وصفها القانونى.
قانونياً، الدفاع فى هذه القضايا سيستند إلى مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون»، وإلى أن إدراج بعض العقاقير كمخدرات تم بقرارات إدارية غير دستورية، ما قد يدفع محاكم الموضوع إلى إعادة تكييف الوقائع أو تخفيف العقوبة أو إسقاط الاتهام بالكامل فى حالات محددة.
هنا يتحول الخلل التشريعى من مسألة شكلية بين سلطات الدولة، إلى عنصر جوهرى يمس الحرية الشخصية لعشرات وربما مئات المتهمين الذين بُنى تجريمهم على جداول أبطلتها المحكمة.
أثر اجتماعى وأمنى.. مجتمع يتحمل ثمن فوضى القانون
اجتماعياً، يأتى هذا الجدل فى سياق توسع ملحوظ لظاهرة التعاطى والإدمان بين الشباب، مع ارتفاع مستويات الفقر والبطالة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية.
الدولة تعلن تشديد الرقابة على المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بينما تكشف أحكام «الدستورية» وقرارات التصحيح المتأخرة أن المنظومة القانونية نفسها لم تكن منضبطة، وأن الحرب المعلنة على المخدرات تستند أحياناً إلى أرضية تشريعية مهزوزة، ما يضر بصدقية الخطاب الرسمى ويضعف ثقة المجتمع فى جدية الدولة.
قرار وزير الصحة يهدف – وفق بيان الوزارة – إلى «تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية» ومواءمة الجداول مع التطورات العلمية والقانونية، مع التأكيد على الالتزام بأحكام المحكمة الدستورية ومبدأ سيادة القانون.
لكن من زاوية اجتماعية، يبقى السؤال: كيف وصلت السلطة – بعد أكثر من 10 سنوات على 3 يوليو – إلى لحظة تضطر فيها لتعديل جداول مخدرات أساسية لأنها صيغت بطريقة غير دستورية؟ وكيف ينعكس هذا التخبط على أسر ضحايا التعاطى، وعلى أجهزة إنفاذ القانون التى تطبق نصوصاً قد يُحكم ببطلانها بعد سنوات من التنفيذ؟
هذا الخلل لا ينفصل عن نمط أوسع فى إدارة التشريع فى عهد ما بعد يوليو، حيث يُستخدم القرار الإدارى أو اللائحة أحياناً لسد فراغ تشريعى، ثم تتدخل «الدستورية» لاحقاً لتصحيح المسار بعد أن تكون مراكز قانونية كثيرة قد تكونت.
فى هذه الحالة، المجتمع هو الطرف الذى يدفع الثمن مرتين؛ مرة عندما تتسع سوق المخدرات، ومرة عندما يكتشف أن منظومة القانون نفسها تعرضت للتسييس أو التسرع أو سوء الصياغة.
رأى عباس قباري.. حكم يعرّى بنية نظام ما بعد يوليو
عنوان حلقة عباس قباري على يوتيوب مع محمد ناصر يذهب مباشرة إلى منطقة حساسة: «قرار غريب من الدستورية العليا يفتح باب إخلاء سبيل مئات تجار المخدرات».
اختيار هذا العنوان يعكس قراءة ترى أن الحكم، رغم وجاهته الدستورية من حيث المبدأ، أنتج عملياً ثغرة يمكن أن يستفيد منها عدد كبير من المتهمين بجرائم اتجار، بسبب تقاعس السلطة التنفيذية والتشريعية عن ضبط آلية تعديل الجداول فى وقتها.
قباري، وهو باحث فى السياسات التشريعية قال مطولاً عن «أدوات التشريع الاستثنائى» و«تقليص صلاحيات مجلس الدولة» بعد 2013، ينظر عادة إلى القرارات القضائية فى سياق أوسع يتعلق ببنية النظام السياسى بعد الانقلاب، وكيف استخدم السلطة التنفيذية شبكة من القوانين والقرارات لضبط المجال العام وإعادة تشكيل مؤسسات العدالة.
فى هذا الإطار يمكن قراءة موقفه من حكم «الدستورية» باعتباره دليلاً جديداً على أن التشريع فى ملف شديد الحساسية كالمخدرات خضع لمنطق الاستعجال والتغوّل التنفيذى، لا لمنطق الدولة القانونية المستقرة.
من زاوية تحليل قباري، ما يصفه بـ«غرابة القرار» لا يعود لكون المحكمة طبقت مبدأ دستورياً معروفاً، بل لأن السلطة نفسها هى التى وضعت المنظومة على هذا المسار، ثم جاءت لتتذرع بسيادة القانون بعد أن كشفت المحكمة العيب الإجرائى.
بهذا المعنى، الحكم يعرّى طريقة إدارة الملف من جانب حكومة يصفها ومعارضون آخرون بأنها «حكومة انقلاب» بقيادة عبد الفتاح السيسى، تحرص على صلابة قبضتها الأمنية، لكنها لا تبذل جهداً موازياً فى بناء تشريعات محكمة تحمى المجتمع من المخدرات دون خرق للدستور.
فى خلفية هذا التوجه، تظهر مفارقة واضحة: النظام الذى يفاخر بشدة القبضة الأمنية وتوسع السجون ومحاكم الطوارئ، يسمح فى الوقت نفسه بوجود ثغرات تشريعية خطيرة فى جداول المخدرات، ثم يسارع إلى تصحيحها عندما تضطره المحكمة الدستورية، مع احتمال استفادة متهمين كُثر من هذا الخلل.
هنا يربط قباري بين هذا المثال وبين ما رصده فى كتاباته عن «التشريع كأداة فى يد السلطة» بعد 2013، حيث تُستخدم النصوص القانونية أحياناً لتسييل الأصول أو ضبط المجال العام، ثم يعاد تعديلها عندما تنكشف ثغراتها أو تتعارض مع مصالح جديدة.
فى النهاية، يسلط حكم «الدستورية» وقرار وزير الصحة الضوء على أزمة أعمق من مجرد استبدال جداول؛ أزمة تتعلق بطريقة صناعة القانون فى عهد السيسى، وحدود استقلال المؤسسات القضائية فى مواجهة السلطة التنفيذية، وحجم المسافة بين خطاب «دولة القانون» وواقع تشريعات تصدر ثم تُبطل بعد أن تكون قد غيرت مصائر متهمين وأسر ومجتمعات محلية بأكملها.
هنا يصبح ملف المخدرات مرآة لاختبار جدية الحديث الرسمى عن سيادة القانون، فى نظام يراه عباس قباري ومعارضون كثيرون امتداداً لانقلاب عسكرى يقدّم الأمن الشكلى على حساب العدالة الدستورية والاجتماعية.

