تقدّم النائب حسام خليل، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بسبب ما وصفه بالأزمة المادية التي يعاني منها العاملون بهيئة الإسعاف المصرية. يشير النائب إلى أن الأزمة لم تعد مسألة دخل فقط، بل امتد أثرها إلى كفاءة منظومة العمل نفسها، بما يهدد مستوى الخدمة الإسعافية المقدمة للمواطنين، خاصة في ظل ضغط البلاغات وساعات العمل الطويلة في جميع المحافظات.

 

أجور لا تعكس مخاطر المهنة

 

يوضح خليل في طلب الإحاطة أن العاملين بالإسعاف يواجهون أوضاعًا مالية صعبة لا تتناسب مع طبيعة عملهم اليومية، التي تتضمن التعامل المباشر مع الحوادث على الطرق، والتعرض المستمر لمخاطر العدوى، والعمل لساعات ممتدة ونوبتجيات متواصلة ليلًا ونهارًا. ويربط النائب بين هذه الأعباء وبين غياب حزمة مزايا وحوافز تعكس طبيعة الوظيفة، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يخلق فجوة واضحة بين حجم المسؤولية وحجم المقابل المادي الذي يحصل عليه المسعف أو السائق أو الإداري داخل الهيئة.

 

ويرى وائل سرحان، رئيس النقابة العامة للعاملين بهيئة الإسعاف المصرية، أن المشكلة لا تتوقف عند انخفاض الأجور الأساسية، بل تمتد إلى كيفية توزيع عوائد الخدمات التي تقدمها الهيئة، مشيرًا إلى أن العاملين الذين يباشرون خدمات النقل غير الطارئ لا يحصلون على أي نسبة من الرسوم المحصلة، رغم تحملهم عبء «النقل والرفع والانتقال» ومسؤولية التعامل المباشر مع المرضى والأسر في ظروف ضاغطة. ويعتبر سرحان أن ربط جزء من هذه الرسوم بحوافز للعاملين يمكن أن يخفف جزءًا من الأزمة المادية التي يشير إليها طلب الإحاطة البرلماني.

 

فجوة الحوافز وتسرّب الكفاءات

 

يشير النائب إلى وجود فجوة ملحوظة في البدلات والحوافز بين العاملين بالهيئة وبين نظرائهم من أعضاء المهن الطبية بوزارة الصحة، رغم تشابه طبيعة العمل وتداخل المسؤوليات، سواء في التعامل مع الحالات الحرجة أو المشاركة في منظومة الطوارئ. ويستند طلب الإحاطة إلى أن هذه الفجوة لا تتعلق ببدل واحد أو حافز محدد، بل تمتد إلى بدل العدوى وبدل مخاطر المهنة وحوافز الطوارئ والنوبتجيات، بما يضع العاملين بالإسعاف في شريحة أدنى ماليًا من زملائهم داخل نفس المنظومة الصحية.

 

هذا الوضع، بحسب خليل، أدى إلى تراجع الروح المعنوية داخل الهيئة وتسرب بعض الكفاءات من المنظومة بحثًا عن أوضاع أفضل، وهو ما ينعكس مباشرة على سرعة الاستجابة وكفاءة الخدمة في الشارع. ويأتي ذلك في سياق أوسع يعاني فيه القطاع الصحي من ضغوط على الموارد البشرية، حيث تظهر بيانات رسمية انخفاض أعداد الأطباء خلال السنوات الأخيرة، وتطالب تقارير متخصصة بزيادة رواتب العاملين في المهن الطبية للحد من النزيف البشري داخل المنظومة.

 

ويرى علاء غنام، مدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية وعضو اللجنة التي أعدّت قانون التأمين الصحي الشامل، أن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن أن يتحقق دون معالجة ملف العدالة في توزيع الموارد والحوافز داخل القطاع، سواء بين المحافظات أو بين الجهات التابعة لوزارة الصحة. ويؤكد أن السياسات الجزئية أو البيانات الدعائية لا تقدم حلًا حقيقيًا إذا لم تُبنَ على معايير واضحة لقياس الأداء وربط الحوافز بطبيعة المخاطر وحجم المسؤولية، وهي نقاط يلامسها طلب الإحاطة الخاص بهيئة الإسعاف بصورة مباشرة.

 

مساواة في البدلات ومسار برلماني للحل

 

يطالب النائب حسام خليل صراحة بتحقيق المساواة بين العاملين بهيئة الإسعاف وزملائهم في المهن الطبية الأخرى فيما يتعلق ببدل العدوى وبدل مخاطر المهنة، باعتبار أن التعرض اليومي لمصادر العدوى والحوادث جزء أصيل من عمل المسعف. كما يدعو إلى زيادة حوافز الطوارئ والنوبتجيات بما يعكس ساعات العمل الفعلية والجهد المبذول في النوبتجيات الليلية وأوقات الذروة، وبما يحد من اعتماد الكثير من العاملين على العمل الإضافي خارج الهيئة لتعويض النقص في الدخل الشهري.

 

ويشدد خليل على ضرورة إقرار مكافأة نهاية خدمة «مناسبة» تضمن خروج العاملين من الخدمة بصورة تحفظ كرامتهم بعد سنوات العمل في ظروف ميدانية مرهقة، لافتًا إلى أن غياب تصور عادل لنهاية الخدمة يساهم في شعور قطاعات واسعة من العاملين بعدم الاستقرار. ويربط النائب بين هذه المطالب وبين الهدف المعلن لتحسين استقرار الكوادر الفنية والإدارية داخل الهيئة، بما ينعكس على سرعة وكفاءة الاستجابة للحالات الطارئة في المدن والطرق السريعة والقرى النائية على السواء.

 

ترى الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، أن ملف بدل العدوى في القطاع الصحي يعكس خللًا أوسع في نظرة السياسات العامة لمخاطر المهنة، مشيرة إلى أن النقابة حصلت على حكم قضائي لرفع بدل العدوى، لكن التنفيذ تعرقل رغم اعتراف مسؤولين حكوميين بأحقية العاملين في زيادة عادلة. وتعتبر أن استمرار تدني بدل العدوى في ظل وجود أمراض مميتة تصيب العاملين بالمئات يضعف إحساس الأطقم الطبية، ومن بينهم العاملون بالإسعاف، بأن الدولة تقدّر المخاطر التي يواجهونها يوميًا.

 

في المقابل، شهدت الفترة الأخيرة تحركات رسمية لتحسين أوضاع العاملين بالقطاع الصحي، من بينها قرارات لزيادة الأجور والحوافز للعاملين بهيئة الإسعاف، إضافة إلى تكليفات رئاسية لوزارة الصحة بدراسة تحسين أوضاع العاملين في المجال الصحي من حيث الدخل وبيئة العمل. إلا أن طلب الإحاطة الجديد يعكس أن جزءًا من العاملين ما زال يرى أن الفجوة مع باقي المهن الطبية قائمة، وأن الإجراءات المعلنة لم تصل بعد إلى مستوى يشعر معه المسعفون بأن المخاطر التي يتحملونها تجد ترجمتها في رواتبهم وبدلاتهم.

 

ويختتم خليل طلبه بالمطالبة بإحالة الموضوع إلى لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب لبحثه واتخاذ الإجراءات اللازمة، في مسار يجمع بين البعد الرقابي والبحث عن حلول تشريعية أو تنظيمية. بذلك يتحول ملف أجور وبدلات العاملين بهيئة الإسعاف من شكوى ميدانية متكررة إلى قضية مطروحة رسميًا أمام البرلمان والحكومة، مع اختبار حقيقي لمدى استعداد الدولة لربط قوة منظومة الطوارئ بقدرتها على الحفاظ على من يقفون في خطها الأول عند كل نداء استغاثة.