لم يكد سائقو طريق 6 أكتوبر–الواحات يستعيدون حركة السير بصورة طبيعية عقب إصلاح الهبوط الأرضي الذي شهده الطريق، حتى عادت الحفرة للظهور في المكان نفسه بعد ساعات قليلة. تكرار المشهد بهذه السرعة أعاد المخاوف بشأن جودة أعمال الإصلاح، وطرح سؤالًا مباشرًا عن سبب الهبوط الحقيقي تحت طبقات الأسفلت.
عودة الهبوط في الموضع نفسه وتحويلات لتفادي سقوط السيارات
بحسب شهود عيان، تحركت الأجهزة المختصة إلى موقع الهبوط برفقة رجال الشرطة. جرى عمل تحويلة مرورية لتفادي سقوط السيارات داخل منطقة الهبوط، ولمنع حدوث تكدسات على طريق لا يحتمل تعطلًا طويلًا. التحويلة هنا ليست إجراء روتينيًا، بل مؤشر خطر على سلامة المرور.
عودة الحفرة في نفس النقطة بعد ساعات تعني أن المشكلة لم تكن “سطحية”. إصلاح سريع يعيد فتح الطريق لا يكفي إذا كان الفراغ تحت الرصف ما زال قائمًا. تكرار الهبوط يضغط على فكرة أن هناك خللًا في المعالجة أو في تقدير حجم المنطقة المتأثرة. ويجعل كل سيارة تمر فوق الموضع موضع اختبار جديد.
يرى الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، أن الهبوط الذي يعود في الموضع ذاته غالبًا ما يرتبط بسبب تحت سطحي لم يُعالج بالكامل. ويضيف أن معالجة الرصف وحدها قد تُخفي الأثر مؤقتًا، لكنها لا توقف تدهور التربة إذا كانت المشكلة مرتبطة بمرفق مدفون أو فراغات لم تُحقن وتُثبت جيدًا.
مواسير قطر 3400 و“الدفع النفقي”: سبب مبدئي يغيّر طبيعة الأزمة
الفحص المبدئي، وفق ما ورد، كشف أن سبب الهبوط يرجع إلى أعمال تنفيذ مواسير مرافق بقطر 3400 أسفل الطريق. التنفيذ تم باستخدام أسلوب الدفع النفقي ضمن الأعمال التي تنفذها إحدى الشركات. هذه المعلومة تنقل الواقعة من “هبوط مجهول” إلى أزمة مرتبطة بمشروع مرافق تحت طريق سريع.
الدفع النفقي تقنية تستخدم لتجاوز عوائق من دون حفر مفتوح على السطح. لكنها حساسة. أي خطأ في التوجيه أو الدعم أو التحكم في التربة قد يخلق فراغًا. الفراغ يبدأ صغيرًا. ثم يتسع مع الاهتزاز والأحمال. ثم يظهر على السطح كهبوط. وقد يتكرر إذا بقيت الأسباب قائمة.
وأعلنت السلطات حالة الاستنفار القصوى، ودُفعت فرق فنية لتأمين المنطقة ومعرفة سبب الهبوط المفاجئ. لغة “الاستنفار” تعكس أن المخاطر ليست مرورية فقط، بل إنشائية أيضًا. لأن الهبوط قد يتسع فجأة. وقد يطال محيطًا أكبر من فتحة الحفرة الظاهرة للعين.
يرى الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن أي فراغات ناتجة عن أعمال تحت الأرض تصبح أكثر خطورة عندما تتداخل مع مياه أو تسربات، لأنها تُضعف التربة وتسرّع الانهيار. ويضيف أن العلاج الفعال يبدأ بتحديد نطاق الفراغ، ثم تدعيمه هندسيًا قبل إعادة الرصف، وإلا يعود الهبوط في نفس المكان أو حوله.
نمط هبوط يتكرر في مناطق مختلفة: وقائع قريبة ترفع سقف القلق
الواقعة على طريق الواحات جاءت بعد أيام من هبوط أرضي بمنطقة التجمع الخامس. الهبوط هناك، بحسب ما ورد، بلغ عمقه 15 مترًا وابتلع جزءًا من محطة وقود. هذا المثال يوضح أن الهبوط قد يتحول من خلل مروري إلى خطر جسيم على منشآت وخدمات. ويضع السلامة العامة في قلب الملف.
وقبل أسابيع قليلة وقعت وقائع أخرى لهبوط أرضي في بعض المناطق. محيط معرض القاهرة الدولي للكتاب في العاصمة المصرية شهد قبل أسبوعين هبوطًا أرضيًا، تزامن مع انفجار ماسورة مياه. تجمع كثيف للمياه أربك الحركة المرورية. الصورة هنا مزدوجة: هبوط أرضي مع مرفق منفجر. وتداعيات فورية على المرور.
تشير بعض التوثيقات أيضًا إلى أن منطقة التجمع الخامس ومدينة الغردقة في محافظة البحر الأحمر شهدتا حالة استنفار عقب وقوع هبوط أرضي مفاجئ بهما قبل أسابيع أيضًا. تتابع الوقائع في أكثر من موقع وفي مدى زمني قصير يرفع الإحساس العام بأن المشكلة ليست حادثًا منفردًا. بل نمط يتكرر. ويحتاج مراجعة طريقة تنفيذ المرافق تحت الطرق.
يرى المهندس طارق النبراوي، نقيب مهندسي مصر، أن تكرار الهبوطات في مواقع متفرقة يفرض تشديد الرقابة على أعمال الحفر والمرافق، ورفع معايير الاستلام الفني قبل فتح الطرق للحركة. ويضيف أن الفصل بين مسؤوليات المقاول والاستشاري والجهة المالكة يجب أن يكون واضحًا، لأن غموض المسؤولية يترك المواطن وحده أمام الخطر اليومي.
في النهاية، الواقعة الحالية تحمل ثلاث رسائل واضحة من داخل تفاصيلها. الأولى أن إصلاحًا يعود للانهيار بعد ساعات لا يطمئن أحدًا. الثانية أن سببًا مرتبطًا بمواسير قطر 3400 والدفع النفقي يجعل القضية فنية بامتياز وليست مجرد “حفرة”. والثالثة أن تكرار حوادث مشابهة في التجمع الخامس وحول معرض الكتاب والغردقة يضغط باتجاه حل جذري: فحص، تدعيم، ثم فتح طريق، لا العكس.

