أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال فعالية رفيعة المستوى على هامش القمة الأفريقية، أن مصر “دولة شديدة الجفاف” وتعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل. وربط عبد العاطي الأمن المائي في أفريقيا بالالتزام بقواعد القانون الدولي. الرسالة سياسية وقانونية في آن واحد، لكنها تأتي بينما يظل ملف سد النهضة هو التحدي الأكبر للأمن المائي المصري، بلا اتفاق ملزم لقواعد الملء والتشغيل.

 

جفافٌ دائم وخطاب قانوني: ماذا تريد القاهرة من أفريقيا؟

 

يقدّم عبد العاطي توصيفًا شديد المباشرة لوضع مصر المائي: دولة شديدة الجفاف، ومصدرها شبه الوحيد هو النيل. في هذا الإطار، تصبح قواعد القانون الدولي “حجر الزاوية” كما قال، ليس فقط لموقف مصري دفاعي، بل كقاعدة عامة للأمن المائي الأفريقي. التركيز هنا لا ينفصل عن أن الصراع يدور حول مجرى عابر للحدود، وأن أي إجراءات أحادية تغيّر التدفقات تُقرأ في القاهرة كتهديد وجودي لا كخلاف فني.

 

الوزير استند أيضًا إلى “رؤية وسياسة أفريقيا للمياه 2063” بوصفها إطارًا متكاملًا لإدارة الموارد المائية، خصوصًا ما يتعلق بالمجاري العابرة للحدود. هو طرحٌ يُراهن على تحويل القضية من نزاع ثلاثي إلى مبدأ قاري: تعاون بين الدول المشاطئة، ورفض للإجراءات الأحادية. وفي خلفية هذا الخطاب، يظهر هدف عملي: حشد مساندة سياسية أفريقية لصيغة قانونية تُقيّد أي طرف من التصرف منفردًا في الملء أو التشغيل.

 

لكن خبراء يشيرون إلى فجوة بين قوة الخطاب القانوني ونتائج مسار التفاوض. عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، يلفت عادةً إلى أن جوهر الأزمة ليس “وجود السد” فقط، بل غياب قواعد تشغيل مُتفق عليها، خاصة في سنوات الجفاف الممتد. من هذا المنظور، أي حديث عن القانون الدولي يحتاج مسارًا تنفيذيًا. لأن المبدأ دون آلية إلزام يظل شعارًا، بينما الواقع يتشكل على الأرض مع كل مرحلة ملء جديدة.

 

وتضيف أماني الطوبل، الباحثة في الشؤون الأفريقية، أن تحويل الملف إلى إطار أفريقي أوسع يمكن أن يرفع كلفة العزلة السياسية على أي طرف يتبنى الإجراء الأحادي، لكنه لا يعفي القاهرة من تحدي بناء تحالفات عملية داخل مؤسسات القارة. برأيها، نجاح خطاب “المياه 2063” يتوقف على قدرة مصر على ربطه بمصالح دول أخرى تعاني بدورها من نزاعات الأنهار المشتركة، وليس الاكتفاء بتقديم الملف كحالة استثنائية مصرية.

 

“الفقر المائي” حقيقة قديمة… لكن سد النهضة يضغط على الهامش الضيق

 

تؤكد الحكومة المصرية أن البلاد دخلت مرحلة “الفقر المائي” منذ سنوات، إذ يقل نصيب الفرد عن خط الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب سنويًا. هذه ليست جملة إعلامية فقط. هي معيار دولي يُستخدم لقياس عجز الموارد مقارنة بالاحتياجات. لكن خبراء يرون أن اختزال الأزمة في سد النهضة وحده يتجاهل شبكة عوامل متداخلة، بعضها طبيعي وبعضها إداري وسياسي.

 

النص يضع أسبابًا محددة للأزمة. الاعتماد شبه الكامل على النيل بنسبة تتجاوز 95% من الموارد المائية. نمو سكاني متسارع يضغط على حصة تاريخية شبه ثابتة. تغير مناخ يرفع التقلب في الأمطار ويزيد احتمالات الجفاف. ثم سياسات إدارة الموارد داخليًا، أي كفاءة الري، الفاقد، وتركيبة المحاصيل. وأخيرًا التوترات السياسية حول سد النهضة. هذا الترتيب مهم لأنه يوضح أن السد يعمل كعامل مضاعِف لأزمة قائمة، لا كسبب منفرد لكل العجز.

 

د. نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، يركز عادةً على جانب الإدارة الداخلية باعتباره “خط دفاع” لا يقل أهمية عن مسار التفاوض. فحتى مع ثبات الحصة، يمكن لإصلاحات الري، وتقليل الهدر، ومراجعة أنماط الزراعة شديدة الاستهلاك للمياه أن تخفف الضغط على المنظومة. هذا لا يلغي أثر أي خفض محتمل في التدفقات، لكنه يقلل هشاشة الداخل أمام الصدمات، ويمنع تحويل كل أزمة موسمية إلى صدمة في الغذاء والزراعة.

 

وفي الاتجاه نفسه، يرى محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، أن الجمع بين مسارين صار ضرورة لا ترفًا: مسار خارجي قانوني ودبلوماسي لإدارة النزاع العابر للحدود، ومسار داخلي لإعادة هيكلة الطلب على المياه. علام يُحاجج بأن قوة الموقف التفاوضي تتحسن عندما تُظهر الدولة قدرتها على ضبط استخداماتها، لأن ذلك يقلل فرص تصوير الأزمة كـ“سوء إدارة” فقط، ويعيدها إلى لبّها: الحقوق والالتزامات في مجرى دولي.

 

إعلان المبادئ 2015 والملء المتكرر: تراكم المخاطر بلا اتفاق ملزم

 

يُعد توقيع مصر على “إعلان المبادئ” عام 2015 مع إثيوبيا والسودان نقطة تحول مفصلية في مسار الأزمة، كما يصفه النص. الخبير الدولي في شؤون المياه محمد حافظ قال إن توقيع الإعلان منح إثيوبيا اعترافًا سياسيًا بمشروع السد قبل استكمال الدراسات الفنية الملزمة، واعتبرته أديس أبابا ضوءًا أخضر لاستكمال البناء. وأضاف حافظ أن غياب آلية إلزام قانونية واضحة جعل مصر لاحقًا في موقف تفاوضي أضعف، لأن مرجعية التفاوض لم تُغلق الباب أمام التدرج في الملء من طرف واحد.

 

عبد التواب بركات، أستاذ الري والموارد المائية، قدم قراءة أكثر تركيبًا. قال إن الأزمة ليست فقط نتيجة سد النهضة لكنها تفاقمت بعده، وإن إعلان المبادئ لم يكن خطأ في ذاته، بل المشكلة كانت في عدم ربطه بضمانات تنفيذية واضحة تُلزم إثيوبيا بعدم اتخاذ خطوات أحادية. بركات يرى أن استمرار الملء الأحادي أثر على الثقة بين الأطراف وأضعف فرص التوصل لاتفاق قانوني ملزم، لأن كل خطوة منفردة تعيد التفاوض إلى نقطة أبعد.

 

في قلب هذا المشهد، تشدد القاهرة رسميًا على مبادئ القانون الدولي، خصوصًا “عدم الإضرار” و”التوافق”. لكن النص يقر بأن مسار تفاوض ممتد منذ أكثر من عقد لم يُنتج اتفاقًا نهائيًا ملزمًا لقواعد الملء والتشغيل. هنا تتبدى مشكلة عملية: المطالبة بالمبادئ لا تكفي إذا ظلت التفاهمات غير قابلة للإنفاذ، بينما يستمر الواقع المائي في التحول مع تشغيل منشأة ضخمة على النيل الأزرق.

 

ويشير مراقبون، كما ورد، إلى أن تماهي مصر في مرحلة معينة مع مسار التفاوض السياسي دون تصعيد قانوني دولي مبكر سمح لإثيوبيا باستكمال بناء السد وبدء عمليات الملء المتتالية. هذه القراءة لا تعني أن التصعيد كان سهلًا أو مضمون النتائج. لكنها تضع كلفة التأخير في سياقها: كلما تقدم التنفيذ على الأرض، تقل مساحة المناورة، وتصبح الخيارات أكثر تعقيدًا، لأن “وقف ما تم” أصعب من “منع ما لم يبدأ”.

 

على مستوى المخاطر السنوية، يتجدد القلق مع كل مرحلة ملء جديدة، خصوصًا في سنوات الجفاف الممتد. الحكومة تقول إن السد العالي قادر على امتصاص الصدمات، وهو طرح يعتمد على مخزون بحيرة ناصر وقدرة الإدارة التشغيلية على الموازنة بين الشرب والزراعة والكهرباء. لكن خبراء يرون أن استمرار الوضع دون اتفاق دائم يبقي عنصر المخاطرة قائمًا، لأن الحساب لا يتعلق بسنة واحدة بل بسلسلة سنوات قد تتزامن فيها إدارة الملء مع تراجع الإيراد.

 

محمد حافظ يلخص ذلك بعبارة واضحة وردت في النص: المشكلة ليست في سنة واحدة، بل في التراكم. أي خلل في إدارة فترات الجفاف قد ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والزراعي في مصر. عباس شراقي يلتقي مع هذا المنطق من زاوية فنية: الخطر يرتفع عندما تتداخل فترات الجفاف مع قرارات تشغيل لا تُدار بتنسيق مُسبق، لأن هامش الأمان يصبح أضيق، وأي خصم صغير يتضخم أثره مع الوقت.

 

وتشير أماني الطوبل إلى أن “تراكم المخاطر” ليس مائيًا فقط، بل سياسي أيضًا. لأن استمرار الملء الأحادي يخلق سابقة في إدارة الأنهار المشتركة داخل أفريقيا، وقد يدفع دولًا أخرى لتبني مقاربات مشابهة في أحواض مختلفة. من ثم، يصبح خطاب مصر عن القانون الدولي ورؤية أفريقيا للمياه 2063 محاولة للدفاع عن قاعدة عامة، لا عن مصلحة مصر وحدها. لكن هذه القاعدة ستظل محل اختبار ما لم تُترجم إلى ترتيبات قابلة للتطبيق.

 

في المحصلة، النص يرسم أزمة متعددة الطبقات: فقر مائي قديم بمعايير واضحة، وإدارة داخلية تحتاج إصلاحًا مستمرًا، ونزاع عابر للحدود لم يُحسم قانونيًا، وواقع تشغيل يتقدم بالملء المتكرر. لذلك تبدو لهجة القاهرة القانونية مفهومة، لكنها غير كافية وحدها. لأن ما يحسم الملف ليس توصيف مصر كدولة شديدة الجفاف فقط، بل تثبيت قواعد ملء وتشغيل ملزمة، بالتوازي مع تقليل الهدر الداخلي، حتى لا تتحول كل مرحلة ملء إلى اختبار جديد للأمن الغذائي والزراعي.