تواجه وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي اختبارًا مبكرًا يتعلق بالشفافية وإدارة المال العام، بعد إعلان محامٍ تقدمه ببلاغ إلى النائب العام يطالب بفتح تحقيق في وقائع يقول إنها موثقة بتقارير رسمية تخص الأكاديمية المصرية للفنون بروما خلال فترة إدارتها السابقة. القضية لا تتعلق بسجال سياسي أو “حملات” على منصب وزاري جديد، بقدر ما ترتبط بسؤال إداري وقانوني مباشر: هل تُفحَص الاتهامات والوثائق على نحو مهني، وتُعلَن نتائج الفحص للرأي العام؟ خاصة مع اتساع الجدل حول الوزيرة في الأسابيع الأخيرة بالتزامن مع تعيينها.
البلاغ وما يطلبه: تحقيق وتحفّظ على الملفات لا “محاكمة إعلامية”
بحسب نص البلاغ المتداول، يقول مقدمه إنه أرفق مستندات وتقارير رقابية تتضمن “مخالفات مالية وإدارية وإهدارًا للمال العام” خلال إدارة الأكاديمية المصرية للفنون بروما، ويطالب بفتح تحقيق عاجل وسماع أقوال المسؤولين السابقين والرجوع إلى الجهات المختصة، مع التحفظ على ملف الأكاديمية الموجود بمقر وزارة الثقافة.
جوهر المسألة هنا ليس في الاتهامات بوصفها “حقيقة”، بل في مسار التحقق: البلاغات في قضايا المال العام تستلزم—وفق خبراء قانونيين—فحص المستندات وتقييم مدى كفايتها لبدء تحقيق، ثم استدعاء الأطراف المعنية وطلب الملفات الأصلية وأي مخاطبات رسمية ذات صلة قبل بناء قرار اتهام أو حفظ. هذا ما يختصره القاضي الراحل ووزير العدل الأسبق أحمد سليمان في مقاربة عامة: مكافحة الفساد لا تُدار بالضجيج بل عبر مسار قضائي واضح يفضي لمحاسبة أو براءة.
ولأن الواقعة تمس مؤسسة ثقافية خارج الحدود وتداخلات مالية وإدارية، فإن اختبار الجدية يبدأ من خطوة بسيطة: إعلان وزارة الثقافة أنها أحالت الأوراق للجهات الرقابية المختصة، أو على الأقل أنها تراجع ما نُسب إليها عبر قنوات رسمية، بدل ترك الملف يدار بتسريبات متضاربة.
“أكاديمية روما” كأصل عام: أين كانت الحوكمة؟ وأين هي الآن؟
الأكاديمية المصرية للفنون بروما تُقدَّم رسميًا باعتبارها أحد أذرع “القوة الناعمة” المصرية في الخارج، وقد شهدت مؤخرًا تغييرًا إداريًا بتعيين إدارة جديدة لمدة عام وفق تغطيات صحفية رسمية.
هذا السياق يضاعف أهمية الإجابة عن سؤال الحوكمة: هل كانت إجراءات الجرد والمراجعة السنوية والتعاقدات والتقاضي—إن وُجد—تدار وفق قواعد منضبطة؟ وهل نتج عن أي إخفاقات خسائر مالية أو نزاعات أو سمعة مؤسسية سلبية؟
هنا يبرز رأي المستشار هشام جنينة، الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات، في مناسبة سابقة وهو يدافع عن “الشفافية” بوصفها أساسًا لاختبار سلامة إدارة المال العام، حتى عندما تكون الوقائع محل نزاع. جوهر فكرته: لا حماية للمال العام دون معلومات ووثائق قابلة للفحص والمساءلة.
وبالمنطق نفسه، فإن أقوى رد مؤسسي على البلاغ—إن كانت الوقائع غير صحيحة—هو إخراج الملفات للرقابة والتحقيق المنضبط، لا الاكتفاء بإنكار عام.
ما الذي يجب أن يحدث الآن: 4 نقاط حاكمة لتفادي “إغلاق الملف بلا إجابات”
1. إعلان مسار التعامل مع البلاغ: هل أحيل للنيابة المختصة؟ هل طلبت النيابة مستندات من الوزارة؟ الصمت الطويل يفتح الباب لتأويلات ويضر بالوزارة أكثر مما يحميها.
2. تحديد نطاق الوقائع: البلاغ—كما ورد—يتحدث عن فترة إدارة سابقة للأكاديمية. التحقيق يجب أن يركز على وقائع مالية/إدارية محددة لا على سرديات شخصية أو مزاعم لا صلة لها بالمال العام.
3. ضمانات قانونية متوازنة: المحامي الحقوقي خالد علي سبق أن انتقد علنًا ما اعتبره تحقيقات غير منضبطة في قضايا عامة، مؤكدًا أهمية احترام الإجراءات القانونية والضمانات. المعنى هنا لا يخص شخصًا بعينه، بل قاعدة: تحقيق جاد لا يساوي إدانة، كما أن غياب التحقيق لا يساوي براءة.
4. استعادة الثقة عبر الشفافية التشريعية والرقابية: المحامي نجاد البرعي يركز في نقاشات عامة على سيادة القانون وضرورة أن تكون الإجراءات—والأرقام والقرارات—قابلة للمراجعة، لأن غموض المسارات يفاقم فقدان الثقة. وبالنسبة لوزارة تتعامل مع المال العام ومؤسسات ثقافية بالخارج، فإن الثقة ليست رفاهية بل شرط عمل.
الخلاصة: جوهر الموضوع هو اتهامات موثقة—وفق مُقدم البلاغ—بمخالفات مالية وإدارية داخل مؤسسة تابعة للدولة في الخارج، وما إذا كانت الحكومة ستتعامل معها كملف رقابي جاد أم كخبر عابر. المطلوب صحفيًا ليس إدانة مسبقة، بل إجابات موثقة: ماذا قالت التقارير؟ ماذا فعلت الجهات الرقابية؟ ومتى تُعلَن نتيجة واضحة للرأي العام؟

