تواجه «مصر للطيران» موجة جديدة من التساؤلات بعد إعلان تخصيص 20 مليار جنيه من الموازنة العامة لشراء طائرات إيرباص جديدة، في وقت تشير فيه بيانات رسمية إلى خسائر متراكمة وصلت إلى نحو 30 مليار جنيه حتى 30 يونيو 2022، وفق تصريحات وزير الطيران المدني محمد عباس.

 

الخطوة تُقدَّم رسميًا باعتبارها «تحديثًا للأسطول» و«استثمارًا في المستقبل»، لكنها تعني عمليًا تحميل دافع الضرائب أعباء إضافية لصالح شركة خاسرة، لم تُحسَم حتى الآن مسؤوليّة ما حدث في صفقة طائرات A220 التي بيعت بخسارة تقدَّر بنحو 800 مليون دولار.

 

الصفقة الجديدة تأتي بينما لم تُغلق بعد ملفات أساسية: لماذا اشترت الشركة 12 طائرة A220-300 بنحو 1.092 مليار دولار ثم باعتها بعد أقل من 4 سنوات مقابل نحو 300 مليون دولار؟ ولماذا استمر التعاقد مع إيرباص رغم تحقيقات دولية سابقة أثبتت دفع رشاوى لمسؤولين مصريين في صفقات قديمة للطائرات؟

 

خسائر بمليارات الجنيهات… دعم حكومي بلا شفافية مالية

 

بحسب تحقيق استقصائي لموقع «زاوية ثالثة»، أعلن وزير المالية محمد معيط تخصيص 20 مليار جنيه من الموازنة لتمويل شراء طائرات إيرباص جديدة لصالح «مصر للطيران»، استجابة لطلب برلماني لحل أزمة الديون ونقص الطائرات.

 

في المقابل، كشف وزير الطيران نفسه أن خسائر الشركة المتراكمة منذ جائحة كورونا حتى منتصف 2022 بلغت 30 مليار جنيه، دون إعلان تفصيلي عن مسار هذه الخسائر ولا خطة واضحة للخروج منها.

 

المستشار المالي لوكالة التنمية الدولية، محمد عويس شلبي، يلفت في تعليقات منشورة إلى أن البيانات المالية المحدثة لـ«مصر للطيران» لا تُنشر بشفافية، مشيرًا إلى أن آخر أرقام متاحة حتى يونيو 2021 أظهرت إيرادات بنحو 17 مليار جنيه مقابل أعباء وخسائر وصلت إلى قرابة 32 مليار جنيه؛ أي فجوة مالية ضخمة تُموَّل أساسًا بالديون والضمانات الحكومية.

 

إلى جانب الخسائر التشغيلية، حصلت «مصر للطيران» بين 2019 و2022 على قروض بنحو 15 مليار جنيه بضمان وزارة المالية، من بينها 5 مليارات أُقرت بقانون خاص في 2022، وهو ما يعني أن المخاطر الحقيقية تقع على الموازنة العامة لا على الإدارة التي تتخذ قرارات الشراء والبيع.

 

على هذه الخلفية، تعتبر النائبة مها عبد الناصر – في طلب إحاطة قدمته للبرلمان – أن صفقة بيع 12 طائرة A220 بهذا الفارق الضخم بين سعر الشراء وسعر البيع تثير شبهة إهدار للمال العام، متسائلة عن الجهة التي تتحمل فوائد القروض الممولة للصفقة، والتي تقدَّر بين 5 و7% سنويًا.

 

من «غير مناسبة للمناخ» إلى خردة خلال 3 سنوات

 

في 2019 بدأت مصر في تسلم 12 طائرة إيرباص A220-300، قُدِّمت حينها كعمود رئيسي لتحديث الأسطول وتشغيل خطوط إقليمية متوسطة المدى. لكن خلال أقل من 5 سنوات، انتهى الأمر ببيع كامل الأسطول، وبعض الطائرات تُفكَّك اليوم في الولايات المتحدة لاستخدامها كقطع غيار، رغم أن عمرها التشغيلي أقل من 6 سنوات.

 

رئيس الشركة القابضة لـ«مصر للطيران»، يحيى زكريا، برر أمام البرلمان بيع الطائرات بأنها «غير مناسبة للظروف المناخية في مصر»، وأن معظمها لم يُستخدم منذ تسلمها بين 2019 و2020.

 

لكن تحقيق «زاوية ثالثة» اعتمد على بيانات «فلايت رادار» و«سيريوم» ليبيّن أن جزءًا من الأسطول اشتغل بعدد رحلات محدود، بينما ظلت عدة طائرات مخزَّنة لفترات طويلة، وإحدى الطائرات لم تُسجّل رحلة واحدة طوال 4 سنوات، وهو ما يعكس سوء تخطيط وتشغيل أكثر مما يعكس «مشكلة مناخ».

 

الطيار في إحدى شركات الطيران الإسبانية، دييغو سانتانا، يصف هذا التبرير بأنه غير منسجم مع قواعد صناعة الطيران. ويوضح أن منظمات مثل «الإيكاو» و«وكالة سلامة الطيران الأوروبية» تقيّم تأثير الظروف الجوية على صلاحية الطائرات، وأن أي خلل مرتبط بالمناخ كان سيفضي إلى قرارات تنظيمية بتقييد تشغيل هذا الطراز عالميًا، لا في مصر وحدها.

 

في الواقع، تشير تقارير فنية إلى أن المشكلة الأساسية كانت في محركات «برات آند ويتني» من طراز PW1500G، التي تعرضت لحوادث تسرب زيت واستهلاك مبكر، ما أدى إلى توقف عشرات طائرات A220 حول العالم وإخضاع المحركات لعمليات استبدال وإصلاح واسعة.

 

لكن طريقة تعامل «مصر للطيران» مع الأزمة – من شراء بأسعار ضخمة ثم بيع سريع بخسارة هائلة – جعلت الأسطول يتحول من «استثمار استراتيجي» إلى مثال صارخ على سوء إدارة المخاطر في شركة مملوكة للدولة.

 

صفقات جديدة في ظل تاريخ من الرشاوى… من يحاسب؟

 

الأكثر إثارة للقلق أن فضيحة A220 ليست أول ملف مثير للشبهات في علاقة «مصر للطيران» بإيرباص. تحقيقات قضائية فرنسية وبريطانية كشفت أن الشركة الأوروبية دفعت رشاوى قدرها 9.5 مليون يورو عبر وسيط إماراتي يُدعى عباس اليوسف لتسهيل صفقة بيع طائرات لإحدى شركات «مصر للطيران» في 2003، ضمن قضية فساد كبرى أدينت فيها إيرباص ودُفعت على إثرها غرامات تجاوزت 3.9 مليار دولار لسلطات أميركية وأوروبية.

 

هذه الخلفية تجعل استمرار الحكومة في توجيه مليارات جديدة لصالح صفقات مع الشركة نفسها، دون إعلان واضح لشروط التعاقد أو آليات التسعير والتمويل، موضع تشكيك واسع لدى خبراء الطيران والاقتصاد العام.

 

وزير الطيران محمد عباس يؤكد أن هناك «جهودًا لتطوير الشركة»، ويتحدث عن «تحسن في النتائج» دون نشر قوائم مالية مفصلة أو خطة هيكلة حقيقية مرتبطة بمحاسبة ما جرى في صفقة A220.

 

في المقابل، يرى خبراء اقتصاد عام – من بينهم محمد عويس شلبي – أن استمرار ضخ الأموال في شركة خاسرة دون إصلاح حوكمة أو شفافية يشكل نموذجًا كلاسيكيًا لـ«خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر»، حيث يتحمل المجتمع كلفة القرارات بينما تبقى دوائر القرار بعيدة عن المساءلة.

 

النائب عبد المنعم إمام يصف ما حدث في صفقة بيع 12 طائرة A220 بأنه «تبديد لموارد الدولة»، بعد أن اشترتها مصر بقرض ملياري ثم باعتها بنحو ربع قيمتها تقريبًا؛ ليُستخدم جزء من حصيلة البيع في سداد القرض نفسه، فيما تستعد الدولة الآن لتمويل صفقة طائرات جديدة بالمليارات من أموال الموازنة.

 

في ظل هذه الوقائع، يصبح السؤال المركزي: هل تمثل الصفقة الجديدة مع إيرباص خطوة جادة لتصحيح مسار «مصر للطيران»، أم حلقة جديدة في سلسلة قرارات مكلفة تُتخذ بعيدًا عن أي نقاش عام أو رقابة فعّالة، لينتهي الأمر بمزيد من الديون على شركة مملوكة للدولة، ومزيد من الضغط على موازنة مواطن لا يملك حتى تذكرة سفر على هذه الطائرات؟