فيديو الشاب المُذَل بملابس نسائية في قرية ميت أبو عاصم بالقليوبية لم يعد «واقعة تنمُّر» عابرة.

 

نحن أمام جريمة مركَّبة: خطف، وهتك عرض، واستعراض قوة، وتصوير وبث مشاهد الإذلال على الهواتف ومواقع التواصل.

 

تسعة متهمين – بحسب ما جرى تداوله – يواجهون الآن تكييفًا قانونيًا قد يضع بعضهم في نطاق الإعدام أو السجن المشدد، إذا اعتبرت النيابة والمحكمة أن ما حدث خطف مقترن بهتك عرض وبلطجة منظمة.

 

في الخلفية يطفو سؤال واضح: ما حدود مسؤولية دراما «فن البلطجة» التي صارت تُقدِّم نموذج الشاب المتنمِّر والفتوَّة كـ«أسطورة» و«نجم» يُقلَّد؟

 

جريمة خطف وهتك عرض واستعراض قوة… عقوبات تصل للإعدام

 

قانون العقوبات المصري يتعامل بصرامة مع جريمة الخطف.

 

المحامي الجنائي مينا فايق يوضح في شروحاته أن الخطف بالإكراه أو التحايل عقوبته السجن المشدد أو المؤبد، وترتفع إلى الإعدام إذا اقترن الخطف بهتك عرض أو مواقعة المجني عليه.

 

في واقعة القليوبية، إذا ثبت أن الشاب أُخذ عنوةً أو خُدع وتم نقله أو احتجازه رغمًا عنه، فنحن أمام شق «الخطف».

 

وإذا أثبتت التحقيقات أنه تعرّض لكشف مُهين لجسده، أو تحرّش جسدي، أو أفعال خادشة لحيائه الجنسي تحت التهديد، فهذا يدخل في نطاق «هتك العرض» حتى لو لم يقع اغتصاب كامل.

 

المستشار محمد منيب يلفت في دراسته لأركان جريمة هتك العرض إلى أن القانون لا يشترط الفعل الجنسي الكامل؛ يكفي أن يكون هناك مساس جسدي أو فعل مُهين للحياء يتم بالإكراه أو التهديد.

 

عند اجتماع الخطف مع هتك العرض، يصبح الملف – نظريًا – في دائرة العقوبات الأشد، وقد يقترب من الإعدام أو المؤبد بحسب دور كل متهم وظروف الواقعة.

 

إلى جوار ذلك، يفتح قانون «البلطجة» واستعراض القوة بابًا آخر للتشديد.

 

المحامي وليد عز الدين يشرح أن استعراض القوة بقصد ترويع المجني عليه أو النيل من شرفه واعتباره – خاصة في مجموعة منظمة – قد يعاقب عليه بالسجن المشدد، وتغلَّظ العقوبة إذا اقترن الاستعراض بخطف أو اعتداء جنسي.

 

وهنا تظهر خطورة ترك الواقعة في إطار «هزار شباب»؛ فمجرد تصوير شخص تحت الإكراه بملابس نسائية، مع تهديده، واستخدام الفيديو لإهانته، يدخل في صميم فلسفة هذه النصوص: ترويع وتحقير وإخضاع مجني عليه لإرادة جماعة تمارس عليه سلطة غير مشروعة.

 

9 شباب أمام السجن المشدد أو الإعدام.. والإعلام جزء من القصة لا كلّها

 

الجانب الأكثر صدمة اجتماعيًا في الواقعة هو ضياع مستقبل تسعة شباب – بين طالب وعامل وربما عائل لأسرة – بسبب لحظة عنف واستعراض «رجولة» تحت تأثير ما يرونه على الشاشة، لكن القانون هنا لا يعرف شماعات.

 

المحامي بالنقض عبدالعزيز حسين عمار يشير في شرحه لجرائم البلطجة إلى أن ركْبَ الفعل في إطار «تقليد ممثل» أو «تأثُّر بمسلسل» لا يُسقط المسؤولية الجنائية؛ المحكمة تنظر إلى الفعل ونتيجته ودرجة اشتراك كل متهم، لا إلى ما شاهده قبلها على التلفزيون.

 

في أفضل الأحوال قد تضع المحكمة صغر السن أو عدم السوابق في اعتبارها عند تقدير العقوبة، لكنها لن تلغي جريمة خطف أو هتك عرض أو بلطجة بسبب شماعة «الأسطورة» أو غيره.

 

الأقسى أن بعض المشاركين ربما يكون دوره «ضاحكًا أو مصوِّرًا» لا مباشرًا في الخطف، لكن وجوده في مكان الجريمة ومشاركته في الإذلال يجعل منه شريكًا أو فاعلًا أصليًا بحسب تكييف النيابة.

 

هنا تتضح الصورة:

 

– لو ثَبَت الخطف مع هتك العرض واستعراض القوة، قد يواجه المتهمون الرئيسيون عقوبات تصل إلى الإعدام أو المؤبد.

 

– ولو استقر التكييف على احتجاز وتعذيب واستعراض قوة فقط، فالعقوبة تظل في نطاق السجن المشدد لسنوات طويلة، تكفي لتحطيم مستقبل تسعة أشخاص ودفع أسرهم إلى دوامة الفقر والوصمة الاجتماعية.

 

ضياع المستقبل هنا ليس حجة لتخفيف الجريمة، بل نتيجة منطقية لمسار اختاروه بإرادتهم.

 

وفي المقابل، تبقى مسؤولية الإعلام والدراما سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا وثقافيًا، لا دفاعًا قانونيًا في قاعة المحكمة.

 

من «الأسطورة» إلى الشارع.. متى تتحمّل دراما البلطجة مسؤوليتها؟

 

الجملة المتداولة أن الجناة «قلدوا محمد رمضان ومسلسل الأسطورة» تعكس إحساسًا شعبيًا بأن صورة البلطجي «المُستعرض» خرجت من الشاشة إلى الحارة.

 

مسلسلات متتابعة قدّمت نموذج «الفتوَّة» الحامل للسلاح الأبيض، الذي يحكم الشارع خارج القانون، ويُعاقِب ويُذِل أمام الكاميرا في زمن السوشيال ميديا.

 

عدد من الكتّاب والإعلاميين حذّروا سابقًا من هذا النمط.

 

وصفوا ما يُسمى بـ«فن البلطجة» بأنه يعيد إنتاج صورة الشاب الذي لا يعرف إلا العنف، ويقدمها في قالب بطولة شعبية تتجاهل القانون والدولة.

 

مع ذلك، يؤكد المحامون أن تحميل عمل درامي بمفرده مسؤولية واقعة بعينها أمر صعب قانونًا.

 

المحامي وليد عز الدين يوضح أن المسؤولية الجنائية عن التحريض لا تقوم إلا إذا احتوى العمل على دعوة واضحة ومباشرة لارتكاب جريمة محددة، وأن الأصل أن الرقابة على المصنفات والجهات المنظمة للفضائيات هي المسؤولة عن وقف أو تعديل المحتوى الضار قبل أن يصل للمشاهد.

 

في المقابل، يحمّل البعض شركات الإنتاج والقنوات والإعلانات مسؤولية أخلاقية على الأقل؛ لأنها ضخت لسنوات ملايين الجنيهات في أعمال تجعل من البلطجي نجمًا جماهيريًا.

 

وهنا لا يعود السؤال: «هل محمد رمضان مسؤول عن جريمة ميت أبو عاصم؟» بل: «كم واقعة قادمة يمكن تجنبها لو تغيَّر شكل البطل على الشاشة؟».

 

في النهاية، ما تقوله واقعة الشاب المُذَل بملابس النساء واضح:

 

– القانون جاهز بعقوبات تصل إلى الإعدام والسجن المشدد.

 

– مستقبل تسعة شباب على المحك، لأنهم قرروا أن يتحولوا إلى نسخة رخيصة من «أسطورة» تلفزيونية.

 

– ودراما البلطجة، ومعها من يمولها ويرعاها، مطالَبة بمراجعة نفسها قبل أن يتحوّل كل «مشهد إذلال» على الشاشة إلى بروفة جديدة لجريمة في الشارع.