أثارت تصريحات وزيرة التضامن الاجتماعي مايا مرسي جدلًا واسعًا بعدما قالت إن معدل تركيز الأطفال انخفض بنحو 30% مقارنة بسنوات سابقة، وإن “تركيز الطفل أصبح 8 ثوانٍ” في ظل الاستخدام الكثيف لمواقع التواصل.

 

التصريح يضع قضية الانتباه تحت الضوء، لكنه يفتح أيضًا أسئلة عن معنى “التركيز” وكيف يُقاس، وما إذا كانت المشكلة مرتبطة بوقت الشاشة وحده أم بنمط الاستخدام وجودة المحتوى والبيئة الأسرية والمدرسية.

 

ماذا تعني “8 ثوانٍ” علميًا؟ بين التصريح السياسي وقياس الانتباه

 

في حديثها، ربطت الوزيرة تراجع التركيز بسلوكيات استخدام الأطفال للتكنولوجيا والمنصات.

 

لكن متخصصين يشيرون إلى أن “الانتباه” ليس رقمًا واحدًا؛ فهناك انتباه مستمر (sustained attention)، وانتباه انتقائي، وقدرة على مقاومة المشتتات. لذلك قد تعكس أرقام مثل “8 ثوانٍ” متوسط زمن التفاعل مع محتوى سريع الإيقاع، لا القدرة الفعلية على التركيز في مهمة دراسية طويلة.

 

في المقابل، هناك أدلة بحثية أكثر تحديدًا تربط كثافة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بزيادة أعراض تشتت الانتباه لدى الأطفال مع الزمن. دراسة طولية منشورة في Pediatrics Open Science تابعت أكثر من 8,000 طفل تقريبًا

 

وخلصت إلى أن استخدام السوشيال ميديا ارتبط بزيادة أعراض “اللامبالاة/تشتت الانتباه” بمرور الوقت، مع التأكيد أن حجم الأثر “صغير” لكنه قد يصبح مهمًا على مستوى المجتمع إذا اتسع نطاق السلوك.

 

وترى عالمة النفس الأمريكية د. جين توينج (Jean M. Twenge) أن النقاش يجب أن يركز على توقيت التعرض المبكر للهواتف الذكية والمنصات، لأن “البيئة الرقمية” تغيّر عادات النوم والانتباه والتواصل، وتدفع الأطفال نحو مكافآت فورية على حساب مهارات الصبر والتركيز.

 

لماذا تؤثر منصات التواصل على الانتباه؟ الإشعارات واقتصاد “المكافأة السريعة”

 

تعمل منصات التواصل وفق منطق “الشدّ المستمر للانتباه”: إشعارات، تحديثات لا تنتهي، مقاطع قصيرة، وخوارزميات تدفع المستخدم من محتوى لآخر دون توقف. هذا النمط يدرّب الدماغ على الانتقال السريع بدل الاستغراق، ويجعل الملل في الفصل أو أثناء المذاكرة أكثر صعوبة.

 

عالم النفس الاجتماعي د. جوناثان هايدت (Jonathan Haidt) يصف ما حدث خلال العقد الأخير بأنه “إعادة تشكيل للطفولة” عبر هواتف ذكية ومنصات تُنافس المدرسة والأسرة على وقت الطفل وانتباهه، ويدعو لتأخير امتلاك الهاتف الذكي وتأخير السوشيال ميديا حتى سن أكبر كإجراء وقائي.

 

وتتسق هذه المخاوف مع نتائج أبحاث أقدم على المراهقين تربط الاستخدام الكثيف لمنصات رقمية متعددة بزيادة أعراض شبيهة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه خلال المتابعة.

 

مع ذلك، تحذر د. كانديس أودجرز (Candice L. Odgers)، وهي عالمة نفس نمائي، من التعميمات المطلقة. وتقول إن الأدلة غالبًا “مختلطة”، وإن التأثيرات تختلف بحسب الطفل ونوع النشاط الرقمي وما الذي يزاحمه الوقت على الشاشة (نوم، نشاط بدني، تفاعل أسري).

 

ما الذي يمكن فعله عمليًا؟ قواعد استخدام قابلة للتطبيق بدل الشعارات

 

إذا كانت الحكومة تطرح المسألة كخطر مجتمعي مرتبط بالتعليم، فإن الاستجابة الأكثر فاعلية عادة تكون متعددة المستويات: في البيت، المدرسة، والمنصات.

 

البروفيسورة سونيا ليفينغستون (Sonia Livingstone)، أستاذة علم النفس الاجتماعي وإعلام الطفل، تركّز على فكرة “البيئات الرقمية الملائمة للعمر” وحق الأطفال في تصميمات أكثر أمانًا، إلى جانب رفع الثقافة الرقمية لدى الأسرة والطفل، بدل الاكتفاء بالمطالبة بالمنع.

 

عمليًا، يقترح مختصون خطوات قصيرة وواضحة:

 

  • وضع “قواعد وقت” ثابتة يوميًا، وربطها بالواجبات والنوم.
  • إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وإبعاد الهاتف عن غرفة النوم.
  • تخصيص فترات بلا شاشات داخل البيت (الوجبات/قبل النوم).
  • تشجيع أنشطة تعيد بناء الانتباه: قراءة قصيرة يومية، رياضة، لعب حر، وهوايات يدوية.
  • في المدرسة: تقليل حضور الهواتف داخل الحصص، وتدريب الطلاب على مهارات إدارة الانتباه.

 

وتشير تحديثات السياسات المهنية في طب الأطفال إلى أن السؤال ليس “هل الشاشة ضارة؟” بل: ما المحتوى؟ كم المدة؟ وهل الاستخدام تفاعلي وتحت إشراف؟ وما الذي يُستبدل من أنشطة أساسية؟

 

في النهاية، تصريح “8 ثوانٍ” يصلح كجرس إنذار، لكنه لا يغني عن نقاش مبني على قياسات واضحة وحلول قابلة للتنفيذ، تجمع بين ضبط الاستخدام داخل الأسرة وتطوير سياسات مدرسية، والضغط نحو تصميمات رقمية أقل افتراسًا لانتباه الأطفال.