في 9 فبراير 2026 ظهرت الصورة الرسمية لزيارة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي إلى أبوظبي: استقبال حافل، عناق أمام الكاميرات، وحديث عن «قلب واحد» و«شراكة استراتيجية».

غير أن قراءات معارضة ترى أن هذه الرحلة لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت – بحسب وصفهم – الورقة الأخيرة في حزمة إنقاذ لنظام يواجه انهيارًا ماليًّا، وتفككًا داخليًّا، وعزلة إقليمية متزايدة، مقابل تنازلات عميقة في البحر الأحمر، والملف الفلسطيني، وربما في الأمن القومي ذاته.

 

ديون خانقة، عزلة إقليمية، وانقسام في مؤسسات القوة

 

تستند هذه الرؤية أولًا إلى السياق المالي الحرج الذي سبق الزيارة.

تشير تقديرات معارضين وخبراء مستقلين إلى أن التزامات مصر الخارجية المستحقة خلال عام 2026 تقارب 51 مليار دولار، منها نحو 28 مليار دولار في الربع الأول وحده، بينما تقترب خدمة الدين من نسبة 179% من إيرادات الحكومة.

في هذا السيناريو، يصبح العجز عن استيراد القمح والدواء والوقود احتمالًا واقعيًّا، وتتراجع قدرة الدولة على دفع الرواتب وتشغيل المرافق الأساسية.

من هنا يتحول شعار «جذب الاستثمارات» من أداة تنمية إلى خطة طوارئ للحصول على سيولة دولارية عاجلة بأي ثمن.

 

على المستوى الإقليمي، زادت التوترات المعقدة في السودان من حدة الموقف.

تحقيق لصحيفة أمريكية بارزة تحدث عن طائرات مسيّرة تركية تنطلق من قاعدة مصرية في «شرق العوينات» لضرب قوات «الدعم السريع»، في الوقت الذي تُتهم فيه أبوظبي بدعم هذه الميليشيات.

هذه المفارقة، وفق التحليلات المعارضة، خلقت خطر انزلاق التنافس المكتوم إلى صدام مكلف، ما جعل «التنسيق الأمني» بندًا جوهريًّا في مفاوضات أبوظبي بهدف احتواء التناقض وتبادل ضمانات حول ساحات الصراع في السودان والقرن الإفريقي.

 

إلى جانب ذلك، تراجعت مظلة الحماية التقليدية التي وفرتها واشنطن لعقود، بينما دخلت العلاقة مع الرياض في مرحلة برود واضح بسبب الرفض السعودي للتمدد الإماراتي في البحر الأحمر، وفق هذه القراءات.

في ظل هذا الفراغ، بدت الإمارات – بالنسبة للنظام – «المنقذ» الوحيد المستعد لتقديم حزمة دعم مالي وأمني دون اشتراط إصلاحات سياسية معلنة.

 

الضغوط لم تكن خارجية فقط. داخليًّا، تصف هذه القراءة المشهد قبيل الزيارة بأنه مزيج من بركان شعبي متصاعد، وسخط داخل بعض دوائر الشرطة، وانقسامات في تقديرات داخل المؤسسة العسكرية، مع حكومة جديدة وُصفت بأنها «واجهة ضعيفة» لا تمتلك قرارًا سياسيًّا، مهمتها تنفيذ موجة تقشف جديدة وتمتص الغضب نيابة عن رأس النظام.

هذا التفكك في أذرع القوة، بحسب المعارضين، دفع القيادة إلى البحث عن مظلة خارجية تعوّض هشاشة السند الداخلي.

 

البحر الأحمر من «مراسي ريد» إلى رهن طويل الأجل للساحل والجزر

 

الشق الاقتصادي الأبرز في الزيارة تمثل في الإعلان السريع عن مشروع استثماري ضخم في البحر الأحمر تقدّر قيمته بنحو 18.5 مليار دولار، تحت مسمى «مراسي ريد» وغيره من المشروعات العقارية والسياحية.

الرواية الرسمية قدمت الصفقة باعتبارها «أكبر استثمار سياحي» يعزز التنمية ويوفر فرص عمل.

لكن معارضين وخبراء اقتصاد يرون أن جوهر الاتفاق يقوم على منح حق انتفاع طويل الأجل يصل – في بعض الحالات – إلى 99 سنة لمناطق شاسعة من الساحل والجزر، مع إعفاءات ضريبية ممتدة، وهو ما يصفونه بأنه رهن للأصول الاستراتيجية وليس استثمارًا بشروط متوازنة.

 

التقارير والتحليلات التي تداولتها منصات معارضة تتحدث عن امتداد هذه التعاقدات إلى مناطق حساسة مثل شواطئ بين سفاجا والقصير، وجزر قريبة من الغردقة ومحمية وادي الجمال، وجزيرة شدوان ذات الأهمية العسكرية عند مدخل خليج السويس.

وفق هذه القراءة، تتحول شواطئ كان يفترض أن تبقى موردًا عامًا ومتنفسًا للمجتمعات المحلية إلى منتجعات مغلقة، يُحرم الصيادون من مناطق رزقهم التقليدية، ويُقصى المواطن العادي عنها برسوم وأسوار.

 

الأبعاد البيئية لا تغيب عن الصورة. فالجزر والمحميات البحرية في البحر الأحمر تعد من أثمن الأصول الطبيعية لمصر.

تحويلها إلى مشروعات سياحة فاخرة بكثافة إنشاءات عالية، كما يحذر ناشطون بيئيون، قد يدمر نظمًا بيئية فريدة لا تعوض، ويقوض فرص اعتماد مستدام على هذه الموارد للأجيال القادمة.

 

الحكومة من جانبها تؤكد أن ملكية الأرض تبقى للدولة، وأن ما يجري هو استثمار يخلق فرص عمل وعملة صعبة، وتنفي أي مساس بالسيادة أو تهديد للأمن القومي.

لكن المنتقدين يرون أن مدة الامتياز، وحجم الإعفاءات، وطبيعة المواقع محل التعاقد، تجعل الحديث عن «استثمار تقليدي» غير دقيق، ويقرب الصورة أكثر من رهن طويل الأجل لساحل استراتيجي لصالح حليف إقليمي.

 

قاعدة عسكرية محتملة، فصل غزة، وسؤال البديل الوطني

 

أخطر ما تتداوله التحليلات المعارضة يتعلق بما تسميه «البعد العسكري والأمني للصفقة».

هذه المصادر تتحدث عن تفاهم لإنشاء وجود عسكري إماراتي دائم في منطقة مصرية استراتيجية، تصفه بأنه قاعدة مجهزة بقدرات استخبارات إلكترونية ورادارات متقدمة، مرتبطة بشبكة قواعد أخرى في إريتريا والصومال واليمن وليبيا.

إن صحّ هذا التصور، فإنه يمثل – بحسب أصحاب هذه القراءة – انتهاكًا مباشرًا للمادة 152 من الدستور المصري التي تشترط موافقة برلمانية مشددة على أي وجود لقوات أجنبية على الأراضي المصرية.

السلطات المصرية لم تعلن عن مثل هذه الترتيبات، وتنفي على الدوام وجود قواعد أجنبية، ما يجعل هذه المزاعم في نطاق الروايات المعارضة غير المؤكدة.

 

البعد السياسي لا يقل حساسية. يتهم معارضون أبوظبي والقاهرة بالتقاطع في مشروع لـ«فصل غزة» عن الضفة الغربية، وتحويل مصر من داعم تاريخي للحقوق الفلسطينية إلى طرف يدير أعباء قطاع محاصر، مع فتح الباب تدريجيًّا أمام سيناريوهات توطين أو «مناطق إنسانية» في شمال سيناء.

في هذا السياق يستشهدون بتصريحات رسمية سابقة عن بناء 7 مدن جديدة و110 ألف مبنى سكني في سيناء، واستعداد البنية التحتية لاستقبال ما يصل إلى 5 ملايين نسمة، ويربطون ذلك باستثمارات خليجية وأمريكية في المنطقة. الحكومة المصرية تؤكد رفضها القاطع لأي مشروعات تهجير للفلسطينيين أو تنازل عن شبر من سيناء، وتصف هذه الاتهامات بأنها «حرب إشاعات».

 

إلى جانب ذلك، تثير الزيارة تساؤلات حول التعاون مع شركات إماراتية في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وما إذا كان هذا التعاون قد يمنح أطرافًا خارجية نفاذًا واسعًا إلى بيانات المصريين، ويعزز في الوقت نفسه أدوات المراقبة الداخلية، في ظل سجل حقوقي مثقل بالاتهامات المتعلقة بالحريات العامة.

 

أمام هذا المشهد، تدعو أطراف معارضة إلى ما تسميه «مشروعًا وطنيًّا للإنقاذ» يتجاوز مجرد إسقاط سياسات بعينها، إلى إعادة تفاوض جذري حول الديون والصفقات طويلة الأجل، واستعادة السيطرة على الأصول الاستراتيجية، وإعادة تعريف التحالفات الإقليمية على أساس مصلحة مصر أولًا.

في المقابل، تتمسك السلطة بخطاب يؤكد أن ما يجري هو توظيف للفرص الاستثمارية وإعادة تموضع في إقليم متغير، وأن التحالف مع الإمارات جزء من حماية الأمن القومي لا التفريط فيه.

 

بين هاتين الروايتين تبقى حقيقة واحدة لا خلاف عليها: مصر تدخل مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمة دين خانقة مع ترتيبات إقليمية عميقة الأثر.

ما سيحسم التقييم التاريخي لزيارة 9 فبراير 2026 ليس الصور الرسمية ولا البيانات المشتركة، بل ما سيلمسُه المواطن المصري والأجيال القادمة في سيادته على أرضه، وقدرته على تقرير مصيره الاقتصادي والسياسي دون وصاية من الخارج أو رهن لموارد البلاد.