تتحول رحلة عودة الفلسطينيين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح إلى مسار طويل من الانتظار والقيود والإجراءات الأمنية المشددة، وسط شهادات متطابقة لعائدين تحدثوا عن تحقيقات قاسية وضغوط نفسية ومعاملة مهينة خلال عبورهم، في وقت يتمسك فيه كثيرون بحقهم في العودة إلى القطاع رغم الدمار والظروف الإنسانية الصعبة.

 

ومع إعادة تشغيل المعبر مطلع فبراير الجاري بعد إغلاق دام نحو عام ونصف من الجانب المصري، برزت شهادات إنسانية توثق ما يصفه العائدون ومنظمات حقوقية بنمط متكرر من التعقيدات والإجراءات المرهقة التي تمتد لساعات طويلة، وتشمل تفتيشاً مكثفاً، ومصادرة مقتنيات، واستجوابات مطولة، وأحياناً منع أشخاص من العبور أو إعادة حافلات كاملة.

 

رحلة طويلة ومعقدة

 

بحسب روايات متطابقة لعائدين، تبدأ رحلة العودة بإبلاغ مسبق للأسماء التي حصلت على موافقات أمنية، قبل أن ينطلق المسافرون فجراً في حافلات من مستشفيات أو أماكن إقامتهم في مصر نحو معبر رفح.

 

وبعد إنهاء إجراءات التفتيش في الجانب المصري، ينتظر العائدون لساعات طويلة قبل السماح لهم بالتحرك نحو الجانب الفلسطيني، حيث تستكمل إجراءات إضافية تشمل التدقيق في الجوازات والحقائب.

 

ويقول عائدون إنهم يُنقلون لاحقاً عبر ممرات محاطة بأسلاك شائكة إلى نقاط تفتيش متعددة، تتخللها تحقيقات قد تستمر بين ساعة وثلاث ساعات، وتركز على أسئلة شخصية وأمنية. ويؤكد بعضهم تعرضهم لتقييد الأيدي أو تعصيب الأعين أثناء التحقيق، إلى جانب ضغوط نفسية وتهديدات بالاعتقال أو منع العودة.

 

أرقام محدودة وقيود مشددة

 

تشير بيانات العابرين إلى أن الأعداد التي سُمح لها بالدخول أو المغادرة بقيت محدودة خلال الأيام الأولى من إعادة تشغيل المعبر.

 

ففي الثاني من فبراير كان من المفترض عبور خمسين فلسطينياً إلى القطاع ومثلهم من المرضى إلى مصر، لكن سُمح بدخول عدد أقل بكثير. وفي الأيام التالية، استمر عبور مجموعات صغيرة خضعت لإجراءات مطولة ومعقدة.

 

ويؤكد عائدون أن الرحلة قد تستغرق أكثر من 24 ساعة، تبدأ منذ انطلاقهم من أماكن العلاج في مصر وتنتهي بوصولهم إلى مدن جنوب غزة، وغالباً ما يصلون منهكين جسدياً ونفسياً، فيما تسجل حالات إغماء أو انهيار بسبب طول الانتظار والإجراءات المتكررة.


شهادات من العائدين

 

تروي سيدة خمسينية عادت إلى غزة برفقة ابنتها بعد رحلة علاج طويلة في مصر أنها انتظرت ساعات قبل فتح البوابة، وخضعت لتفتيش دقيق صودرت خلاله بعض مقتنياتها الشخصية وأدوية تحتاجها.

 

وتضيف أن حافلتها توقفت لاحقاً عند نقطة تفتيش أخرى حيث خضعت لتحقيق مطول تخلله تقييد الأيدي وتعصيب العينين، رغم معاناتها من أمراض مزمنة.

 

وتقول إنها تعرضت لأسئلة متكررة حول أسباب عودتها وعلاقاتها الاجتماعية، قبل أن يُسمح لها بالعبور في نهاية المطاف. وتصف تجربتها بأنها أرهقتها نفسياً وجسدياً، لكنها لم تثنها عن قرار العودة إلى القطاع رغم الدمار الذي شاهدته في الطريق.

 

وفي شهادة أخرى، تروي سيدة أربعينية رافقت شقيقتها للعلاج في مصر قبل عامين أنها واجهت رحلة استمرت يومين كاملين من الانتظار والتنقل بين نقاط التفتيش، حيث خضعت لعمليات تفتيش متكررة وتحقيقات مطولة. وتقول إنها وصلت إلى غزة في حالة إنهاك شديد، فيما تعرضت شقيقتها للإغماء بعد التحقيق.

 

أما سيدة ثالثة فقد عادت برفقة ابنتها المصابة، وتقول إنها خضعت لتحقيق استمر ساعات رغم معاناتها من أمراض في القلب والضغط، مؤكدة أن الإجراءات كانت مرهقة ومخيفة، خاصة لكبار السن والمرضى والأطفال.

 

 

دوافع العودة رغم الصعوبات

 

ورغم ما يصفه العائدون بإجراءات قاسية ومهينة، يؤكد كثيرون تمسكهم بالعودة إلى غزة، حيث يقول بعضهم إنهم مستعدون لتحمل المشقة من أجل لقاء أسرهم أو البقاء في وطنهم، حتى لو كان ذلك يعني العيش في خيام أو مراكز إيواء بعد تدمير منازلهم.

 

وتقول إحدى العائدات إنها شعرت بفرح كبير عند وصولها إلى غزة ولقاء أسرتها بعد سنوات من الغياب، رغم أن الظروف المعيشية صعبة للغاية. وتضيف أن كثيرين في الخارج ينتظرون فرصة العودة، حتى مع استمرار القيود والإجراءات المعقدة.

 

انتقادات حقوقية

 

من جهتها، اعتبرت مؤسسات حقوقية فلسطينية أن ما يتعرض له العائدون من إجراءات مطولة ومعاملة قاسية يمثل انتهاكاً للكرامة الإنسانية ويعرقل عودة السكان، خاصة المرضى والنساء والأطفال. وطالبت هذه الجهات بوقف ما وصفته بالانتهاكات وتسهيل حركة المدنيين عبر المعابر، مع ضمان سلامتهم وحقوقهم الأساسية.

 

ويرى مسؤولون حقوقيون أن القيود المفروضة على أعداد العابرين، إلى جانب طول الانتظار والتحقيقات، تخلق ظروفاً إنسانية صعبة وتبعث برسائل ردع لمن يرغبون في العودة إلى القطاع.

 

مواقف فصائل فلسطينية

 

في المقابل، أصدرت فصائل فلسطينية بيانات اعتبرت فيها أن ما يتعرض له العائدون من إجراءات وتضييق يندرج ضمن سياسة أوسع تستهدف المدنيين، مطالبة الوسطاء والجهات الدولية بالتدخل لضمان فتح المعابر وتسهيل حركة المرضى والمسافرين.

 

كما دعت إلى إلزام إسرائيل بوقف القيود المفروضة على المعابر وتمكين الفلسطينيين من السفر والعودة بحرية، محذرة من تفاقم الأوضاع الإنسانية في حال استمرار القيود الحالية.