رغم أن الفضة تعرضت لأكبر خسارة يومية في تاريخها عالميًا، وتراجعت أسعارها بنحو 17.5% لتفقد قرابة 18 دولارًا للأونصة في جلسة واحدة، فإن السوق المصرية ما زالت تتحرك عند مستويات مرتفعة قياسًا بالسوق العالمية؛ إذ يسجل جرام الفضة عيار 999 نحو 165 جنيهًا، وعيار 925 حوالي 153 جنيهًا، وعيار 800 نحو 132 جنيهًا، بينما يستقر الجنيه الفضة عند 1224 جنيهًا.

 

هذا التناقض الصارخ بين نزيف الأسعار عالميًا وتمسك السوق المحلية بمستويات أعلى، يفتح الباب أمام أسئلة عن دور نقص الخامات، والمضاربة، وطريقة تسعير الفضة في مصر، في وقت يبحث فيه المدخر الصغير عن ملاذ آمن بعيدًا عن تقلبات الذهب والدولار.

 

سوق محلية فوق العالمية.. فجوة سعرية يصنعها نقص الخامات والمبالغة في “البرميوم”

 

تقرير مركز «الملاذ الآمن» أشار بوضوح إلى أن الطلب على الفضة في مصر في تصاعد مستمر، مقابل نقص واضح في الخامات، ما دفع الأسعار المحلية لتتخطى العالمية مع امتداد فترات التسليم. هذه الفجوة يصفها الصائغ المخضرم نادي نجيب بأنها “سيف ذو حدين”، موضحًا أن التجار يبررون ارتفاع الأسعار بما يسمونه “برميوم المخاطرة” وتكلفة الاستيراد وشح المعروض، لكن النتيجة الفعلية أن المستهلك المصري يدفع ثمن الأونصة أعلى بكثير من السعر العالمي بعد تحويله للجنيه.

 

ويضيف نجيب أن حركة البيع بالتجزئة لم تتوقف، لكنها أصبحت انتقائية؛ فالمشتري اليوم أكثر حذرًا، ويتابع الأسعار عبر الإنترنت، ويكتشف بسهولة أن الفجوة بين التسعير المحلي والعالمي اتسعت على نحو غير مبرر، ما يضع الصاغة تحت ضغط متزايد لتفسير ما يجري.

 

من جني الأرباح إلى الهلع: كيف قرأ الصاغة أكبر هبوط في تاريخ الفضة؟

 

على المستوى العالمي، ما حدث لم يكن مجرد تراجع عابر؛ الفضة فقدت أكثر من 30% من قيمتها في جلسة واحدة، قبل أن تغلق عند حدود 78.53 دولارًا للأونصة، في موجة تصحيح حادة شملت الذهب والبلاتين والبلاديوم أيضًا. الصائغ هاني ميلاد جرجس يرى أن ما جرى هو “انفجار لموجة مضاربة غير طبيعية” سبقتها أسابيع من صعود قياسي مدفوع بتدفقات استثمارية ضخمة على صناديق المعادن، مع تراكم إشارات فنية على التشبع الشرائي، مثل وصول مؤشر القوة النسبية إلى مستويات غير مسبوقة.

 

هاني ميلاد يؤكد أن كثيرًا من متعاملي الفضة في مصر لم يستوعبوا حجم الصدمة بعد؛ فالمعلومات لدى الجمهور تصل ببطء، بينما تتحرك شاشات الأسعار في البورصات خلال دقائق. ويشير إلى أن بعض التجار آثروا التريث في خفض الأسعار المحلية انتظارا لاستقرار الاتجاه العالمي، وهو ما يفسر حالة “التجميد” المؤقت في التسعير رغم الانهيار الدولي.

 

الصائغ أمير رزق يذهب إلى زاوية أخرى، إذ يعتبر أن ما حدث “جرس إنذار” للمدخرين الذين اندفعوا خلال الشهور الماضية لشراء الفضة باعتبارها أرخص من الذهب وأعلى عائدًا، موضحًا أن الفضة أكثر تقلبًا من الذهب مرتين أو ثلاثًا، وأن من يدخل هذا السوق دون وعي بمخاطر التذبذب الحاد قد يخسر جزءًا كبيرًا من مدخراته في ساعات. ويرى رزق أن من اشترى عند القمم الأخيرة لن يستطيع تعويض خسائره سريعًا، خاصة إذا أصرت السوق المحلية على تجاهل الهبوط العالمي أو امتصاصه جزئيًا فقط.

 

ما بين التحذير والنصيحة.. كيف يتعامل المدخر الصغير مع “الملاذ الأبيض”؟

 

رغم حدة التراجع، لا يرى جميع الخبراء أن مستقبل الفضة قاتم؛ فالتقرير أشار إلى أن محللي «سيتي» ما زالوا يتوقعون أداءً إيجابيًا على المدى المتوسط مدعومًا بالمخاطر الجيوسياسية وتزايد الطلب الصناعي، مع رفع التوقعات إلى 150 دولارًا للأونصة خلال الأشهر المقبلة. الصائغ وصفي أمين واصف يوافق جزئيًا على هذا الطرح، مؤكدًا أن الفضة معدن له استخدامات صناعية واسعة في الطاقة الشمسية والإلكترونيات، وأن أي تباطؤ حالي في الأسعار لا يلغي اتجاهًا طويل الأمد لصعود تدريجي، لكنه يحذر من “ثقافة المضاربة اللحظية” التي انتقلت من بورصات الخارج إلى السوق المصرية عبر منصات التواصل وصفحات توصيات الاستثمار.

 

وصفي ينصح المدخر الصغير بألا يطارد السعر اليومي، بل أن ينظر إلى الفضة كادخار متوسط إلى طويل الأجل، شريطة الشراء من مصادر موثوقة وبفواتير واضحة توضح العيار والوزن، والابتعاد قدر الإمكان عن المنتجات المبالغ في مصنعتها أو التي تحمل أسماء تجارية براقة لا تضيف قيمة حقيقية للمعدن نفسه.

 

الصائغ الرابع محمد إمبابي يلفت إلى نقطة حساسة؛ وهي أن جزءًا من الارتفاع المحلي لا يتعلق فقط بنقص الخامات بل بضعف الرقابة وغياب تسعير عادل وشفاف. برأيه، لو كانت هناك آلية رسمية تربط سعر الجرام في السوق المحلية بسعر الأونصة العالمية لحظيًا، مع هامش ربح محدد وواضح، لما استطاع بعض التجار الإبقاء على مستويات مرتفعة بهذا الشكل بعد أكبر هبوط تاريخي. ويطالب إمبابي اتحاد الغرف التجارية وشُعب الذهب والفضة بإصدار نشرات سعرية يومية إلزامية، ومعاقبة من يثبت استغلاله للفجوة بين السوقين.

 

في المحصلة، تكشف أزمة الفضة الأخيرة أن “الملاذ الآمن” ليس دائمًا آمنًا لمن يدخل إليه مغمض العينين؛ فبين نقص المعروض المحلي، وجنون المضاربات العالمية، وغياب التسعير العادل، يجد المدخر المصري نفسه محاصرًا بين فكي كماشة. صوت الصاغة الجاد هنا لا يدعو لمقاطعة الفضة، بل لتحريرها من لعبة الاستغلال، كي تعود كما كانت: معدنًا ثمينًا يقي الناس تقلبات الزمن، لا بوابة جديدة لاستنزاف ما تبقّى في جيوبهم.