في لحظة تعلن فيها الحكومة أن هدفها «حوكمة المنظومة الصحية»، جاء إقرار مجلس شيوخ السيسي مبدئيًا لتعديلات قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية رقم 19 لسنة 2018 ليُشعل مواجهة مفتوحة مع نقابة الأطباء، التي ترى في هذه التعديلات تهديدًا مباشرًا لاستقرار أهم مرفق علاجي وتعليمي في مصر.

 

المستشفيات الجامعية اليوم ليست هامشًا يمكن التجريب فيه؛ فبحسب وزير التعليم العالي يبلغ عددها حاليًا 147 مستشفى، مع استعداد الدولة للوصول إلى 150 مستشفى قريبًا، وقد استقبلت خلال عام 2025 وحده نحو 32 مليون مريض، وتتحمل حوالي 76% من جراحات الرعاية المعقدة في البلاد. هذه الأرقام تعني ببساطة أن أي اضطراب في هذه المنظومة لن يمر «إعلاميًا» فقط، بل سيرتطم مباشرة بحق ملايين المصريين في العلاج والتعليم الطبي.

 

ورغم محاولة الحكومة تقديم التعديلات بوصفها خطوة لتنظيم العلاقة بين المستشفيات الجامعية الحكومية والخاصة والأهلية وربطها رقميًا، فإن نقابة الأطباء أعلنت رفضًا صريحًا لمشروع القانون بصورته الحالية، وحذّرت من «فوضى تشريعية» تمس حق المريض في العلاج، ودعت إلى ورشة عمل طارئة لصياغة رؤية بديلة.

 

في قلب هذا الاشتباك تقف 4 أصوات نقابية ثقيلة: د. أسامة عبد الحي، د. حسين خيري، د. إيهاب الطاهر، ود. أحمد حسين، الذين يرون أن التعديلات لا تتعلق بتحسين الجودة بقدر ما تفتح الباب لتفكيك المستشفيات الجامعية وإخضاعها لسلاح الترخيص والضغط الإداري والمالي.

 

ترخيص كل 5 سنوات.. مستشفى جامعي تحت تهديد «الستوب» الإداري

 

أخطر ما في التعديلات من وجهة نظر نقابة الأطباء هو النص الذي يفتح الباب لإعادة ترخيص المستشفيات الجامعية كل 5 سنوات، مع إمكانية اتخاذ إجراءات تصل إلى وقف الترخيص جزئيًا أو كليًا حال عدم استيفاء الاشتراطات. الحكومة تصف هذا بأنه إجراء تنظيمي لضمان جودة الخدمة دون تعطيل عمل المستشفى، وتؤكد أن الهدف هو تعزيز الدور الرقابي، لا شلّ المنظومة.

 

لكن نقيب الأطباء د. أسامة عبد الحي يرد بحدة: الفلسفة المعروفة عالميًا هي «إعادة الاعتماد» وليس «إعادة الترخيص». فهناك بالفعل هيئة الاعتماد والرقابة الصحية المختصة بمتابعة معايير الجودة ومكافحة العدوى وتجديد الاعتماد الدوري للمستشفيات كل عدة سنوات، دون التلويح في كل مرة بسحب الترخيص من مرفق يخدم ملايين المرضى ويدرّب عشرات الآلاف من الأطباء والطلاب.

 

عبد الحي يحذّر من أن وضع سيف الترخيص فوق رقبة المستشفيات الجامعية يهدد استقرار الخدمة، بل والاستثمار الصحي نفسه، فالمستشفى الذي يعمل تحت تهديد فقدان رخصته كل 5 سنوات لا يستطيع التخطيط طويل المدى لتطوير البنية التحتية والأقسام التعليمية والبحثية. ويذكّر بأن خللًا إداريًا في ملف واحد أو تأخرًا في استكمال إجراء لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل مستشفى جامعي كامل، لأن توقف مستشفى مثل قصر العيني أو الدمرداش لساعات، لا أيام، يعني كارثة إنسانية لمئات الحالات الحرجة يوميًا.

 

في المقابل، تصر الحكومة – عبر وزير الشؤون النيابية المستشار محمود فوزي – على أن أخذ رأي نقابة الأطباء في هذا القانون «غير ملزم دستوريًا»، باعتبار أن التشريع ينظم المستشفيات لا مهنة الطب ذاتها، مع الوعد بالاستماع إلى النقابة «تقديرًا» لا التزامًا. هذا الخطاب يزيد شعور النقابة بأن ترسانة القانون ستُستخدم من أعلى، بينما يُطلب من أهل المهنة التصفيق من أسفل.

 

فخ «توفيق الأوضاع».. نص فضفاض يهدد قصر العيني والدمرداش على الورق

 

بند «توفيق الأوضاع» للمستشفيات الجامعية القائمة يبدو في ظاهره خطوة طبيعية لمواءمة الأوضاع مع معايير حديثة، لكن صياغته الحالية، كما تؤكد نقابة الأطباء، فضفاضة لدرجة تجعل تطبيقه على أرض الواقع شبه مستحيل ما لم يتحول إلى أداة لخروج بعض المستشفيات من الخدمة تدريجيًا.

 

د. حسين خيري، نقيب الأطباء السابق وأستاذ الجراحة، يلفت النظر إلى أن كثيرًا من المستشفيات الجامعية – مثل قصر العيني والدمرداش والحسين – أنشئت منذ عقود في قلب أحياء مكتظة، وتخضع لأكواد إنشائية قديمة، ولا يمكن ببساطة إعادة بنائها على مقاس اشتراطات جديدة لمساحات غرف العمليات أو ممرات الرعاية دون هدمها أو نقلها بعيدًا عن المريض الفقير. وبالتالي، فإن الحديث عن «توفيق أوضاع إنشائية» بمعناه الحرفي إما وهم تشريعي، أو تمهيد لخروج هذه الصروح التاريخية من المشهد بحجة عدم التطابق مع الكود الحديث.

 

خيري يرى أن أي «توفيق» حقيقي يجب أن ينحصر في الجوانب الفنية والتجهيزية: تحديث أجهزة العناية المركزة، وتطوير غرف العمليات، وتحسين المعامل والأشعة، وهذا يتطلب تمويلًا عامًا حقيقيًا، لا مجرد نص قانوني يلقي بالعبء على الجامعات بلا موارد إضافية. ما تخشاه النقابة أن يتحول النص الفضفاض إلى ورقة ضغط: إمّا أن تجد الجامعة تمويلًا خرافيًا لإعادة بناء مستشفى قائم منذ نصف قرن، أو تواجه تهديدًا دائمًا بعدم تجديد ترخيصه أو تقليص طاقته.

 

وتتزامن هذه المخاوف مع حقيقة أن قصر العيني وحده يضم، بحسب مناقشات مجلس الشيوخ، أكثر من 22 مستشفى فرعي، بينما يضم مجمع الدمرداش نحو 18 مستشفى، أي أننا لا نتحدث عن مبانٍ صغيرة يمكن تعديلها على عجل، بل عن منظومات عملاقة مترابطة، يؤدي العبث بها إلى فوضى علاجية وتعليمية لا يحتملها نظام صحي هش أصلًا.

 

تغييب النقابة وهاجس الخصخصة.. لمن تُفصَّل المنظومة الجديدة؟

 

بعيدًا عن النصوص الفنية، تضع نقابة الأطباء يدها على جرح سياسي ومهني في آن واحد: طريقة صناعة التشريع. فالقانون طُرح – كما تقول النقابة – دون حوار مجتمعي حقيقي، ودون مشاركة منهجية لأصحاب المصلحة المباشرة من أساتذة الجامعات وأطباء المستشفيات الجامعية، بل حتى رأي النقابة نفسها أُحيل إلى خانة «غير الملزم».

 

د. إيهاب الطاهر، عضو مجلس النقابة والأمين العام السابق، يصف هذا النمط بأنه سياسة متكررة: قوانين تُكتب في مكاتب مغلقة، ثم يُطلب من النقابات أن تتكيف مع نتائجها. ويذكّر بأن الدستور ينص على أخذ رأي النقابات المهنية في القوانين التي تمس المهن التي تمثلها، وأن تكرار تجاوز هذا المبدأ يخلق فجوة ثقة عميقة بين من يضع القواعد ومن يطبقها في غرف العمليات وأقسام الطوارئ. بالنسبة للطاهر، المستشفى الجامعي ليس مجرد مبنى، بل شبكة بشرية ضخمة من أساتذة وأطباء مقيمين وتمريض وطلاب وباحثين، وأي تعديل قانوني يتجاهل هذه الحقيقة محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ.

 

أما د. أحمد حسين، عضو مجلس نقابة الأطباء ومسؤول ملف المستشفيات سابقًا، فيذهب أبعد من ذلك، محذرًا من أن التعديلات، بصيغتها الحالية، قد تفتح الباب لتفكيك المستشفيات الجامعية أو دفعها تدريجيًا في اتجاه الخصخصة، تحت لافتة «تنظيم العمل وتوحيد المعايير». يذكّر حسين بأن هذه المستشفيات تمثل خط الدفاع الأخير عن المواطن الفقير ومتوسط الدخل، في وقت ترتفع فيه أسعار الخدمة الطبية في القطاع الخاص، ويعجز فيه نظام التأمين الصحي الحالي عن تغطية احتياجات ملايين المصريين. أي قانون يربط مصير هذه المستشفيات بسيف الترخيص الدوري واشتراطات فضفاضة لتوفيق الأوضاع يجب أن يُقرأ – من وجهة نظره – في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الصحة العامة، لا مجرد إدارة ملف إداري.

 

في المقابل، تصر الحكومة عبر وزير التعليم العالي على أن القانون يستهدف «حوكمة حقيقية» وربط المستشفيات الجامعية – الحكومية والخاصة والأجنبية – في منظومة رقمية موحدة، وإنهاء ما تسميه «فراغًا تشريعيًا» يخص مستشفيات الجامعات الخاصة والأهلية. لكن المفارقة أن هذا «التوحيد» يأتي في لحظة ضعفت فيها ثقة الأطباء في التشريعات الصحية، بعد سلسلة قوانين اعتبروها منحازة إلى منطق الإدارة والربح على حساب حقوق العاملين والمرضى.

 

في النهاية، ما يجري اليوم حول قانون تنظيم العمل بالمستشفيات الجامعية ليس مجرد نقاش تقني على هوامش مجلس الشيوخ، بل معركة صريحة على من يملك القرار في أهم مرفق علاجي وتعليمي في مصر: هل هي حكومة تصر على سلاح الترخيص و«توفيق الأوضاع» من أعلى، أم نقابة تحاول – بما بقي لها من أدوات – الدفاع عن مستشفيات قصر العيني والدمرداش والحسين وغيرها بوصفها آخر معاقل الطب العام المجاني؟

 

الكرة الآن في ملعب السلطة التشريعية والتنفيذية معًا: إما الاستجابة لصوت أهل المهنة والبدء من تمويل حقيقي وإصلاح جاد، أو المضي قدمًا في قانون يصفه الأطباء بأنه خطوة جديدة على طريق خصخصة صامتة يدفع المريض ثمنها أولًا وأخيرًا.