منع جديد لسفر المرضى والجرحى عبر معبر رفح يعيد تأكيد أن المعبر، الذي كان شريان حياة لأهل غزة قبل حرب الإبادة، تحوّل اليوم إلى أداة حصار إضافية بيد الاحتلال.
مصادر فلسطينية أكدت أن قوات الاحتلال ألغت في اللحظة الأخيرة تنسيق الدفعة الثالثة من الجرحى، بعد إبلاغ مكتب منظمة الصحة العالمية والهلال الأحمر الفلسطيني باستكمال كل الإجراءات الطبية والإدارية، لتجد عشرات الحالات الحرجة نفسها عالقة بين مستشفى الهلال الأحمر في خان يونس وأسلاك المعبر المغلق، في مشهد يلخص قسوة الحرب وعمق الانهيار الإنساني في القطاع.
هذا التعطيل لا يأتي معزولًا، بل في سياق ممنهج من المماطلة وفرض العراقيل على سفر المرضى، بينما تشير التقديرات إلى أن نحو 18,500 مريض وجريح بحاجة ملحّة للعلاج خارج غزة، في ظل تدمير شبه كامل للبنية الصحية داخل القطاع.
إلغاء الدفعة الثالثة: تنسيق مكتمل وقرار إسرائيلي واحد يمحو الأمل
بحسب المتحدث باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد النمس، أبلغ مكتب منظمة الصحة العالمية طواقم الهلال الأحمر بإلغاء سفر الدفعة الثالثة من المرضى والجرحى، رغم استكمال الفحوصات والتجهيزات الطبية وتجميعهم في مستشفى الهلال الأحمر في خان يونس.
كل شيء كان جاهزًا: ملفات المرضى، سيارات الإسعاف، قوائم الأسماء، وتنسيق المنظمات الدولية، قبل أن يصدر قرار واحد من جانب الاحتلال يوقف كل شيء ويحول الأمل إلى صدمة.
منذ إعادة فتح معبر رفح قبل أيام، لم يُسمح إلا لسفر 50 مريضًا ومصابًا فقط مع مرافقيهم خلال 48 ساعة؛ 7 مرضى في اليوم الأول، و16 في اليوم الثاني، والباقي موزعون على قوافل متفرقة.
أرقام هزيلة أمام كتلة بشرية من الجرحى والمرضى تقدر بالآلاف، كثير منهم في حالات حرجة، وبعضهم أطفال فقدوا أطرافهم أو يعانون من حروق وتشوهات خطيرة لا يمكن علاجها في مستشفيات شبه مدمَّرة.
النمس وصف الإلغاء بأنه حلقة جديدة في سلسلة المماطلات وفرض العراقيل، رغم الحاجة الملحة للعلاج بالخارج، ورغم أن كل طرف معني – من وزارة الصحة إلى الهلال الأحمر والمنظمات الدولية – أتم ما عليه.
الرسالة واضحة: حياة المرضى تُدار كملف أمني يخضع لمزاج الاحتلال، لا كحق إنساني مكفول في القانون الدولي والاتفاقيات الطبية.
عودة محدودة تحت التحقيق العسكري.. وذاكرة معبر كان طبيعيًا
في مقابل منع خروج المرضى، سجّلت إحصائيات المعبر وصول 40 فلسطينيًا، بينهم نساء وأطفال، إلى مستشفى ناصر في خان يونس، بعد السماح لهم بالعودة إلى القطاع.
لحظات الاستقبال كانت إنسانية جارفة؛ عائلات تتعانق بعد غياب يقارب عامين بسبب حرب الإبادة التي بدأت في أكتوبر 2023 واستمرت حتى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لكنها عودة مشروطة ومشبعة بالخوف.
شهادات العائدين – ومن بينهم مسنون وأطفال – تتحدث عن تحقيق عسكري إسرائيلي قاسٍ قبل السماح لهم بالعبور، استجوابات مطوّلة وتفتيش دقيق، وإيحاء دائم بأن العودة “امتياز يمكن سحبه” وليس حقًا بديهيًا.
ورغم ذلك، يؤكد العائدون تمسكهم بأرضهم ورفضهم لأي محاولة لتهجيرهم، في مواجهة سياسة إسرائيلية واضحة: فتح المعبر على المقاس، بحيث يبقى سيف التهجير قائمًا، ولو بشكل غير معلن.
قبل حرب الإبادة، كان معبر رفح يعمل بصورة “طبيعية نسبيًا”: مئات يغادرون غزة يوميًا إلى مصر للعلاج والدراسة والسفر، ومئات يعودون إلى القطاع في حركة يومية رغم كل التعقيدات. كانت آلية العمل مشتركة بين وزارة الداخلية في غزة والجانب المصري، دون تدخل مباشر من الاحتلال في التفاصيل اليومية.
اليوم، وبعد أن سيطرت إسرائيل على الجانب الفلسطيني من المعبر في مايو 2024، تغيّر كل شيء: أي إعادة فتح، وأي قوائم سفر أو عودة، باتت مشروطة بموافقة الاحتلال وتعليماته.
حتى التوقعات التي روّج لها إعلام مصري وعبري بأن ما يصل إلى 50 فلسطينيًا سيعبرون يوميًا إلى غزة، ومثلهم إلى مصر بين مرضى ومرافقين، لم تتحقق على الأرض. الأعداد أقل بكثير، والآلية غامضة، والمرضى والطلاب والعالقون يدفعون ثمن هذا الغموض يوميًا.
حصار صحي موازٍ للإبادة.. أرقام الشهداء والجرحى تقول ما لا يقوله الخطاب الدولي
ما يحدث على معبر رفح لا يمكن فصله عن الصورة الأكبر في غزة: حرب إبادة خلّفت، وفق مصادر فلسطينية، نحو 72 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارًا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية. وسط هذا الخراب، يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، أوضاعًا إنسانية كارثية: نقص حاد في الدواء والغذاء والمياه، ومستشفيات مدمّرة أو معطلة، وأجهزة طبية خارج الخدمة.
اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 نص على إعادة فتح معبر رفح في المرحلة الأولى، لكن إسرائيل تنصلت من التزامها؛ فتحته على مراحل وبأعداد محدودة، واحتفظت لنفسها بحق إغلاقه أو تعطيل آليته متى شاءت، كما حدث بإلغاء سفر الدفعة الثالثة من الجرحى. في الوقت نفسه، يواصل الاحتلال خرق الاتفاق يوميًا، ما أدى إلى استشهاد 529 فلسطينيًا إضافيًا بعد وقف إطلاق النار، مع استمرار منع إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية.
في الجوهر، يتحول معبر رفح إلى جبهة أخرى من جبهات الحرب:
ليس فقط معبرًا للعبور، بل أداة سياسية وأمنية لإدارة السكان، ومعاقبة القطاع، والضغط على المقاومة، وابتزاز الأطراف الإقليمية والدولية. منع خروج الجرحى ليس خطأ إداريًا عابرًا، بل جزء من سياسة حصار صحي متعمد، تترك عشرات الآلاف من المرضى عالقين بين شظايا الحرب وجدران المستشفيات المهدمة.
أمام هذه الصورة، تتضاءل جدوى بيانات القلق الدولية. ما يحتاجه أهل غزة ليس فقط إدانة لفظية أو بيانًا يطالب بـ“تسهيل خروج المرضى”، بل آلية ضغط حقيقية تجعل من حق العلاج والسفر ملفًا غير قابل للمساومة أو الاستخدام كورقة ابتزاز.
معبر رفح، كما تظهر هذه الوقائع، لم يعد مجرد بوابة حدودية، بل مرآة فاضحة لميزان القوة المختل بين احتلال يتحكم في الهواء والبحر والحدود، وشعب محاصر يدفع ثمن كل تأجيل وكل إلغاء بقصص ألم جديدة وأسماء جديدة تضاف إلى قوائم الشهداء والجرحى.

