تداول ناشطون شهادة مصوّرة لمسنة فلسطينية عادت إلى قطاع غزة عبر معبر رفح بعد إعادة فتحه بصورة محدودة، لتضع أمام الرأي العام صورة إنسانية شديدة القسوة عن معنى “العودة” تحت الحصار.
في روايتها، لا تبدو العودة رحلة إنقاذ أو لحظة لمّ شمل، بل مسارًا تتنازع عليه القوة العسكرية والتحكم الإداري، حيث يصبح الجسد المريض والذاكرة المثقلة بالحرب مادةً للاستجواب والضغط النفسي. الشهادة لا تستند إلى لغة سياسية مجردة بقدر ما تنقل تفاصيل يومية: انتظار طويل، تنقل قسري، أسئلة صادمة، ونبرة إذلال، ثم نجاة مشروطة بالمرور. وهي تفاصيل تفتح النقاش مجددًا حول استخدام المعابر كأداة لإدارة السكان، لا كبوابة إنسانية تنظّم السفر وتضمن الحد الأدنى من الكرامة.
العبور تحت السيطرة: من بوابة إنسانية إلى مسار تفتيش قسري
تصف المسنّة لحظة اجتيازها المعبر كمرحلة بدأت بوعد بالعودة وانتهت بواقع مختلف؛ فبعد عبور الجانب المصري، وجدت نفسها ضمن مجموعة عائدين تُحاصر حافلتهم آليات عسكرية تابعة لـ إسرائيل من اتجاهات متعددة، قبل أن يُنقلوا إلى منطقة خاضعة لسيطرة الجيش ونقاط تفتيش متتابعة. في هذا المشهد، يصبح الطريق جزءًا من التحقيق، وتصبح الحركة نفسها قرارًا يُمنح ويُسحب. تقول إنهم لم يُعاملوا كمسافرين بل كأشخاص يجب “ترويضهم” قبل السماح لهم بالدخول، وكأن العودة إلى البيت امتيازٌ يحتاج إثباتًا، لا حقًا طبيعيًا لصاحب الأرض والبيت.
ما يلفت في الشهادة أن السيطرة لا تُمارَس عبر الإغلاق فقط، بل عبر سلسلة إجراءات تفكيك وإرباك: تغيير مكان الانتظار، فصل الناس عن سياقهم، إطالة الزمن، وإشعارهم بأن مصيرهم معلّق بمزاج المحقق أو بإشارة من جندي. بهذا المعنى، تتحول المعابر إلى ما يشبه “فضاءً قانونيًا رماديًا”، حيث تتداخل الحراسة الأمنية مع الرسائل السياسية، وحيث يُنتج العبور ذاته أثرًا نفسيًا قد يوازي أثر المنع.
تحقيقات وترهيب نفسي: حين تتحول الأسئلة إلى رسالة كسر
وفق روايتها، خضعت المسنّة لتحقيق امتد لساعات متواصلة، لم يكن هدفه جمع معلومات بقدر ما كان اختبارًا للقدرة على الاحتمال. تقول إن المحقق طرح أسئلة تتعلق بفلسطينيين قُتلوا خلال الحرب، دون أن يذكر أسماء واضحة، لكنه تحدث بطريقة توحي بامتلاك معلومات مسبقة وتفاصيل دقيقة، في إشارة أرادت منها ـ بحسب فهمها ـ بث الخوف وإفهام العائدين أن حياتهم مكشوفة وأن ذاكرتهم مراقبة. في مثل هذه التحقيقات، لا يكون الاستجواب مجرد إجراء أمني؛ بل يتحول إلى خطاب تهديد مبطن: “نعرف عنكم أكثر مما تتصورون”.
الأشد قسوة في شهادتها هو توصيفها للتحقيق بوصفه محاولة لكسر الروح لا لتدقيق البيانات. فحين يعود إنسان مريض بعد رحلة علاج قسرية طويلة وهو يحمل شوقًا لبيته وأهله، يصبح استقباله بالاستجواب والإهانة إشارة إلى أن الاحتلال لا يكتفي بتحديد من يخرج ومن يدخل، بل يسعى إلى ضبط المشاعر نفسها: أن تكون العودة مشوبة بالخوف، وأن يشعر العائد أنه “ضيف” في وطنه. هذه السياسة، كما تعكسها الشهادة، لا تتوقف عند القتل والقصف، بل تمتد إلى هندسة الإذلال اليومي، وتحويل الاحتياج الإنساني إلى ورقة ضغط.
رفح بين إنسانية المرور وقسوة الانتقاء: من يُسمح له بالعودة ولماذا؟
تلمّح المسنّة إلى أن أعداد العائدين كانت أقل بكثير مما كان متوقعًا، وأن كثيرين أُعيدوا دون توضيح كافٍ للأسباب، ما يعزز فكرة الانتقاء والتحكم: السماح بمرور حالات محددة، وترك البقية في مساحة انتظار مفتوحة على الإحباط. في شهادتها، لا تبدو القيود مجرد ترتيبات تنظيمية، بل جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى تقليص العودة ومنع الاستقرار، أو على الأقل إبقاء الاستقرار مشروطًا ومعلّقًا. فالتحكم في الحركة هنا يتحول إلى تحكم في الديموغرافيا، وفي قدرة الناس على البقاء أو إعادة بناء حياتهم.
في المقابل، خصّت المسنّة الجانب المصري بإشادة واضحة، مؤكدة أن مصر عاملتهم بإنسانية واحترام خلال إجراءات العبور، وهو ما أبرز ـ في سردها ـ التباين بين معاملة تسعى لتيسير مرور بشر منهكين، ومعاملة عسكرية تتعامل مع البشر كملف أمني بارد. هذه المقارنة تمنح شهادتها قوة إضافية: فهي لا تتحدث عن “قساوة مطلقة” في كل مكان، بل تميّز بين سلوك إنساني وسلوك قهري، ما يجعل الرسالة أكثر إقناعًا وأقرب إلى تجربة واقعية.
واخيرا تكشف شهادة المسنّة أن الحصار لا يعيش فقط في أرقام الإمدادات أو في أخبار الإغلاق، بل في تفاصيل صغيرة تصنع المعنى الكامل للقمع: تحقيق يطول بلا مبرر مفهوم، أسئلة تُستخدم لترهيب لا لتدقيق، وعودة تتحول إلى اختبار إذعان. وهي، رغم مرضها وإرهاقها، ختمت كلامها بوصية للشباب تدعو إلى التمسك بالأرض والبقاء فيها وبنائها، وكأنها تقول إن أقسى ما يمكن أن يفعله الاحتلال ليس المنع وحده، بل دفع الناس إلى اليأس من فكرة الوطن. بين بوابة تُفتح بشروط وبين بيت ينتظر أهله، تظل هذه الشهادة مرآةً لواقع تُدار فيه الحركة كوسيلة للسيطرة، وتبقى كرامة الإنسان هي المعبر الحقيقي الذي يُختبر كل يوم.

