تكشف واقعة إجبار عاملين على الاستقالة والتحقيق مع نحو 8 عمال في الشركة التركية المصرية لصناعة الملابس T&C بمدينة العبور، عن نموذج فجّ لكيفية إدارة مصانع التصدير في مصر لعلاقات العمل: قمع للإضراب، عقد سنوي هش، تهديد بالأمن الوطني، وأجور لا تصل إلى الحد الأدنى الرسمي البالغ 7000 جنيه، في شركة تُصدِّر بمئات ملايين الجنيهات، وتعلن عن استثمارات بعشرات ملايين الدولارات.
الشركة، التي تأسست عام 2010 كشراكة بين مجموعة طلبة المصرية ومجموعة تاي التركية لتصنيع ملابس الجينز لعلامات عالمية وتصديرها إلى أكثر من 42 دولة، تُعد من أكبر مصدّري الملابس الجاهزة في مصر، وتُقدَّر صادراتها بنحو 120 مليون دولار سنويًا وفق بيانات رسمية.
في المقابل، يواجه العمال الذين تجرأوا على الاحتجاج على زيادة سنوية هزيلة، سيف الفصل، وورقة الأمن الوطني، وعقودًا سنوية تُستخدم كسلاح دائم لابتزازهم. خبراء عمال ومحامون يرون أن ما يجري داخل T&C ليس حالة استثنائية، بل تجسيد لبنية كاملة من “الاستثمار منخفض التكلفة” يقوم على سحق حقوق العمال لضمان بقاء الربح مرتفعًا في سوق عالمي ضاغط.
استقالات تحت التهديد: الأمن الوطني كعصا في يد الإدارة
بدأت القصة مع إضراب جزئي في 27 يناير 2026 استمر نحو 5 ساعات، احتجاجًا على زيادة سنوية بين 400 و700 جنيه، لا ترفع غالبية الرواتب حتى بعد الزيادة فوق 6500 جنيه، أي أقل من الحد الأدنى الجديد للأجور البالغ 7000 جنيه والمقرر تطبيقه على القطاعين العام والخاص منذ يوليو 2025.
في اليوم التالي، حاول عمال الخياطة استئناف الإضراب، فواجهوا تهديدات مباشرة: اثنان من العمال أُجبرا على توقيع استقالتيهما، بعد اتهامهما بـ“التحريض على الإضراب”، مقابل الحصول فقط على المتبقي من عقودهما السنوية (حوالي 3 أشهر)، ومن دون أي تعويض عن سنوات الخدمة. آخرون – لا يقل عددهم عن 7 – تم استدعاؤهم إلى الشؤون القانونية والتحقيق معهم بحضور مديرين، مع تهديد صريح: “المرة دي هنعدّيها، المرة الجاية على الشارع أو على السجن، لو مش عاجبك الشغل قدم استقالتك، زي ما حصل لغيرك”.
محامون عماليون، من بينهم خالد علي الذي خاض معارك قضائية حول الحد الأدنى للأجر وربط الأجور بتكلفة المعيشة، يشيرون في تحليلاتهم العامة إلى أن إجبار العمال على الاستقالة تحت التهديد الأمني أو التلويح بإبلاغ “الأمن الوطني” يمثل التفافًا صريحًا على قانون العمل، وتحويلًا لعقد العمل من علاقة قانونية إلى علاقة خوف وخضوع.
وفق شهادات العمال، لم تكن تهديدات “إبلاغ الأمن الوطني بتهمة التخريب” مجرد فزاعة عابرة، بل ورقة ضغط حقيقية، خصوصًا أن الشركة سبق أن استدعت الشرطة أثناء إضراب يناير 2025، حيث تم القبض على 9 عمال وحبسهم على ذمة قضية اتُّهموا فيها بـ“تعطيل العمل وإثارة الشغب”، قبل إخلاء سبيلهم بكفالات، ثم فصلهم إداريًا بعد ذلك. هذه السلسلة تؤكد – كما يعلق عمال مخضرمون – أن من يفتح فمه داخل المصنع يغامر بعقده وحرّيته معًا.
أجور أقل من الحد الأدنى في مصنع يصدّر للسوق الأمريكية
الشركة لا تعمل في الهامش؛ T&C Garments هي مصنع جينز ضخم في العبور، ضمن اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة QIZ، ما يعني أن منتجاتها تدخل السوق الأمريكية دون جمارك مقابل تضمين نسبة مكوّن إسرائيلي لا تقل عن 10.5% من القيمة، بحسب بروتوكول الاتفاقية.
في 2023، قدّر مسؤولون مصريون صادرات الشركة بنحو 120 مليون دولار سنويًا، مع خطط لاستثمارات إضافية تصل إلى نحو 35 مليون دولار لزيادة الطاقة الإنتاجية حتى 2026، لتصل استثماراتها إلى قرابة 100 مليون دولار.
في المقابل، يتقاضى آلاف العمال – نحو 6000 عامل نصفهم تقريبًا من النساء وفق بيانات الصناعة – رواتب أساسية لا تتجاوز 6500 جنيه بعد الزيادة الأخيرة، أي أقل من الحد الأدنى، في بلد تآكلت فيه القيمة الحقيقية للأجور بفعل تضخم تجاوز 20% في 2024 و2025.
الباحثة في قضايا العمال فاطمة رمضان، التي درست مسار الحركة العمالية بعد 2013، تشير في أوراقها إلى نمط تسميه “الاستبداد منخفض التكلفة”، حيث يجمع النظام بين قمع التنظيم النقابي المستقل والإبقاء على الأجور في مستويات شديدة الانخفاض بالنسبة لتكاليف المعيشة، مع فتح المجال أمام المستثمرين في القطاعات التصديرية.
هذا ما يؤكده أيضًا الصحفي مراد ماجد في تحليله لتأثير الزيادات المحدودة في الأجور على الفقر؛ إذ يوضح أن زيادات طفيفة لا تغير حقيقة أن ملايين العمال يضطرون للعمل في وظيفتين أو ثلاث فقط لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات، فيما تبقى سياسات الأجور بعيدة عن أي تصور حقيقي للعدالة الاجتماعية.
في حالة T&C، يصبح التناقض صارخًا: شركة تروّج لسردية “الاستثمار الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة والتصدير إلى أكثر من 42 دولة”، لكنها في الداخل تبني تنافسيتها على أجور أقل من الحد الأدنى وعقود سنوية هشة وإدارة تستخدم الأمن كجزء من أدوات الموارد البشرية.
خبراء الحركة العمالية: كتم صوت المصانع لن يضمن استقرارًا طويلًا
الخبرة المتراكمة لدى منظمات مثل مركز الخدمات النقابية والعمالية (CTUWS)، الذي يقوده النقابي البارز كمال عباس، تشير إلى أن ما يحدث في T&C يكرّر ما جرى في عشرات المصانع الأخرى: قمع الإضرابات، استدعاء الشرطة بدل الحوار، استهداف المنظمين الأساسيين بالفصل، ورفض الاعتراف بأي تنظيم مستقل داخل المصنع.
يبرز هنا أيضًا عامل “العقود السنوية”؛ إذ يجري إجبار غالبية العمال على توقيع عقود محددة المدة تُجدّد كل عام، حتى لو كانت مدة خدمتهم الفعلية تتجاوز 10 أو 15 سنة. هذا النمط يسمح للإدارة بأن تُبقي سيف عدم التجديد مرفوعًا فوق رؤوسهم في كل لحظة، وهو ما يناقض فلسفة الاستقرار الوظيفي التي يفترض أن يحميها قانون العمل.
خبراء عمال، من مدارس مختلفة، يتقاطعون في تحذير واحد:
المحامي خالد علي ينطلق من معاركه القضائية حول الحد الأدنى للأجور ليؤكد أن استمرار الأجور تحت الحد الأدنى مع أرباح تصديرية ضخمة يكرّس “زواج السلطة بالمال” على حساب العمال.
فاطمة رمضان ترى أن ضرب أي محاولة لتنظيم العمال داخل المصانع الخاصة، كما حدث في T&C، هو جزء من سياسة متعمدة لإضعاف الحركة العمالية وإبقاء الاحتجاجات في حدود فردية يمكن كسرها بالتهديد والفصل.
كمال عباس ورفاقه في CTUWS يحذّرون منذ سنوات من أن تحويل الإضراب إلى جريمة أمنية، وربط أي مطالبة بالأجر أو الظروف الآمنة بتهمة “تعطيل العمل”، يهدم ما تبقّى من حق دستوري في التنظيم والاحتجاج السلمي.
مراد ماجد يذكّر بأن أي سياسة أجور لا تربط بين الحد الأدنى وتكاليف المعيشة الفعلية، ولا تحمي حرية العمال في التفاوض الجماعي، لن تنتج إلا مزيدًا من الفقر والتوتر الاجتماعي حتى لو ارتفعت أرقام التصدير على الورق.
قضية T&C، بهذا المعنى، ليست مجرد خلاف داخلي في مصنع جينز؛ بل مرآة لبنية كاملة في الاقتصاد المصري: دولة تبحث عن الدولارات عبر مناطق QIZ واتفاقيات التصدير، وتغضّ الطرف في المقابل عن سحق حقوق العمال داخل هذه “قصص النجاح” الرسمية. والخلاصة التي يلمّح إليها العمال والخبراء معًا أن استقرار خطوط الإنتاج فوق خوف العمال قد يمرّ مؤقتًا، لكنه يراكم غضبًا اجتماعيًا لن يمكن احتواؤه إلى الأبد.

