الحديث عن “تخلي الحكومة” عن الهلال الأحمر ليس مجرد شكوى عابرة، بل علامة على خلل أعمق في طريقة الدولة في التعامل مع العمل الأهلي والإنساني. المشكلة ليست في مؤسسة بعينها، بل في منطق إدارة الإغاثة باعتبارها ملفًا سياسيًا يُفتح ويُغلق وفق المزاج الأمني والظهور الإعلامي، لا باعتبارها خدمة عامة تحتاج قواعد ثابتة، وتمويلًا مستقرًا، واستقلالية مهنية تحمي المتطوعين والمستفيدين.

 

حين تتعامل الحكومة مع الهلال الأحمر المصري كأداة تكميلية تُستدعى عند الكوارث ثم تُترك وحيدة بعد انحسار الأضواء، فهي عمليًا تهدم أحد أعمدة الأمان الاجتماعي التي لا يمكن تعويضها بقرارات عاجلة ولا بحملات مؤقتة.

 

دعم انتقائي وشراكة مشروطة: سياسة تُفرغ الإنجاز من معناه

 

أخطر ما تفعله الحكومة ليس إعلان الانسحاب، بل ممارسة الانسحاب بصمت عبر الدعم الانتقائي. تفتح الباب حين تريد صورة دولة “حاضرة”، ثم تُغلقه حين تطالب المؤسسة بمساحة عمل طبيعية: تسهيلات لوجستية، سرعة في الإجراءات، وضوح في الصلاحيات، وحماية قانونية للمتطوعين. الشراكة التي تُبنى على الامتنان لا على الحق تتحول إلى عبء على المؤسسة وعلى المجتمع. بدلاً من الاعتراف بأن الإغاثة وظيفة مستمرة، تُعامل كاستثناء، ومن ثم تُدار بالاستثناءات: إذن اليوم ومنع غدًا، تسهيل في أزمة وتعقيد بعد الأزمة، تغطية إعلامية حين يخدم ذلك الرواية الرسمية وتجاهل حين يصبح العمل الإنساني مرآة تكشف عجز الإدارة العامة.

 

وحين يتقلص الدعم أو تتبدل الأولويات بلا شفافية، تُلقى المسؤولية على المؤسسة نفسها: لماذا لم تستمر بالزخم ذاته؟ لماذا لم تُغطِّ كل الاحتياجات؟ وكأن الدولة تريد مكاسب الشراكة دون كلفتها، وتريد احتراف الهلال الأحمر دون أن تمنحه مقومات الاحتراف. هذا منطق غير عادل وغير عملي، لأنه يضعف سلسلة الاستجابة من أساسها ويجعل المجتمع في كل أزمة يبدأ من نقطة الصفر.

 

تسييس الإغاثة وتضييق المجال الأهلي: حين يصبح المتطوع “مشروع شبهة”

 

لا يمكن فصل أي تراجع في أداء المؤسسات الإنسانية عن المناخ العام الذي تصنعه الحكومة تجاه العمل الأهلي. حين تُنظر الدولة إلى المبادرات المجتمعية بعين الريبة، وتُثقلها بالإجراءات، وتربط حركتها بموافقات متغيرة، فهي لا “تنظم” القطاع بقدر ما تُكبّله. الأخطر أن هذا المناخ يدفع المتطوعين إلى الإحباط ويجعل العمل الإنساني مخاطرة اجتماعية ومهنية: متطوع قد يُسأل عن سبب وجوده في الميدان، ومتبرع قد يتردد خوفًا من سوء الفهم، ومؤسسة قد تتجنب مناطق حساسة حتى لا تدخل في صدام بيروقراطي. بهذه الطريقة، تُسحب روح المبادرة التي كانت تمثل أكبر رصيد للهلال الأحمر: الثقة الشعبية والاستجابة السريعة.

 

الحكومة هنا مسؤولة لأنها تملك مفتاحين لا يملكهما أحد غيرها: ضمان الاستقلال المهني، وإرساء قواعد واضحة لا تتغير بتغير المزاج. بدل ذلك، تترك المجال ضبابيًا، فتتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، وتتراجع قدرة المؤسسة على التخطيط الطويل، وتتحول الإغاثة إلى رد فعل لا إلى منظومة.

 

مسؤولية الحكومة في التمويل والشفافية: من يدفع الكلفة حين تتراجع الدولة؟

 

حتى لو كانت الأزمة المالية العامة حقيقة، فإن الطريقة التي تختارها الحكومة لتوزيع الضغط هي التي تكشف أولوياتها. حين تُقلص الدولة دعم الإغاثة أو تُحاصرها إداريًا، فهي لا توفر المال بقدر ما تنقل الكلفة إلى المجتمع: إلى مريض لا يجد خدمة عاجلة، إلى أسرة لا تتلقى مساعدة في الوقت المناسب، إلى مناطق تُترك للصدفة بدل التنظيم. تقليص الدور الإنساني لا يُنتج استقرارًا ماليًا، بل ينتج فواتير مؤجلة أكبر: صحة منهكة، احتقان اجتماعي، وعجز في إدارة الأزمات.

 

ثم تأتي مشكلة الشفافية. إذا كانت الحكومة ترى أن الدعم يجب أن يُراجع أو يُعاد توجيهه، فمن حق المجتمع أن يعرف الأسس: ما الذي تغير؟ من قرر؟ ما البديل؟ وما ضمان استمرار الخدمة؟ غياب الإجابات يجعل الاتهام “تخلٍ” يبدو منطقيًا في نظر الناس، لأن الدولة لا تقدم رواية واضحة ولا تضع خطة علنية، بل تكتفي بإشارات عامة لا تقنع أحدًا.

 

في نهاية المطاف، يبقى الهلال الأحمر رصيدًا مجتمعيًا لا تُقاس قيمته فقط بحجم ما يقدمه في لحظة الأزمة، بل بقدرته على الاستمرار قبل الأزمات وبعدها. أي تغيير في علاقة الدولة بالمؤسسة، أو في قواعد عملها وتمويلها وتسهيلاتها، ينعكس مباشرة على سرعة الاستجابة وعلى ثقة المتطوعين والجمهور. لذلك فإن النقاش الحقيقي ليس حول شعارات “الدعم” أو “التخلي”، بل حول بناء إطار تعاون واضح ومستقر يضمن استقلالية العمل الإنساني وفعاليته، ويضمن في الوقت نفسه أن تصل المساعدات لمن يحتاجها بكفاءة وعدالة، وبأقل قدر ممكن من التعطيل والارتباك.