أعلنت وزارة الطيران المدني بدء تشغيل أول خط دولي منتظم من مطار العاصمة الدولي إلى جدة بواقع 6 رحلات أسبوعيًا عبر إير كايرو، في خطوة تُقدَّم رسميًا باعتبارها توسعة عملية لاستخدام المطارات الجديدة وتخفيف الضغط التشغيلي عن مطار القاهرة الدولي.

 

وبينما يُنظر إلى هذا التطور كحلقة ضمن “تدويل” العاصمة الإدارية وتسهيل الوصول إليها، تطرح جدواه الاقتصادية سؤالين: هل نحن أمام مسار قادر على خلق طلب مستدام وإيرادات تشغيلية حقيقية؟ أم أن أثره سيبقى رمزيًا مقارنةً بكلفة بناء وتشغيل بنية ضخمة في لحظة ضاغطة على المالية العامة؟

 

لماذا اختيرت جدة كبداية… ولماذا قد تكون خطوة منطقية؟

 

اختيار مسار جدة ليس عشوائيًا؛ فهو من أعلى المسارات طلبًا في حركة السفر بين مصر والسعودية تاريخيًا، لأسباب تشمل العمالة، الزيارات العائلية، والسفر الديني المرتبط بالعمرة والحج، فضلًا عن حركة شركات الطيران منخفضة التكلفة التي تبحث عن “خط كثيف” يضمن امتلاءً مرتفعًا للطائرات.

لذلك، من منظور تشغيل مطار جديد، البدء بخط عالي الطلب يقلل مخاطرة “المقاعد الفارغة” ويُسرّع اختبار جاهزية المطار وقدرته على تقديم خدمة منتظمة.

 

وتعكس صياغة البيانات الرسمية هدفين متلازمين: تنشيط الحركة من وإلى العاصمة الإدارية، وفي الوقت نفسه إعادة توزيع جزء من الطلب بعيدًا عن مطار مطار القاهرة الدولي.

 

اقتصاديًا، نجاح هذا المنطق لا يتوقف على “وجود الرحلة” فقط، بل على ثبات التشغيل خلال مواسم الذروة وخارجها، وقدرة المطار على اجتذاب مسافرين فعليين من نطاق جغرافي واسع (شرق القاهرة، مدن جديدة، محافظات قريبة) بدلًا من أن يصبح مجرد “مطار إضافي” لخدمة شريحة محدودة.

 

أين قد تظهر الجدوى الاقتصادية… وأين قد تتعثر؟

 

الجدوى المحتملة هنا تأتي من ثلاث قنوات رئيسية:

 

أولًا، إيرادات تشغيل مباشرة للمطار وشركات الخدمات الأرضية والأنشطة التجارية المرتبطة بالمسافرين (بيع بالتجزئة، مواقف، خدمات).

ثانيًا، أثر غير مباشر عبر تسهيل انتقال رجال الأعمال والزوار إلى العاصمة الإدارية إذا تحولت فعلًا إلى مركز أعمال متكرر الزيارة لا “مقر حكومي” فقط. ثالثًا، تخفيف اختناقات المطارات المحورية بما يقلل تكاليف التأخير والازدحام على مستوى المنظومة.

 

لكن القيد الأكبر هو “كتلة الطلب الفعلي”؛ فالمطار قد يعمل بكفاءة تشغيلية، لكن إن لم تتحول العاصمة الإدارية إلى نقطة جذب للشركات والفعاليات والمؤتمرات، ستبقى الحركة مرتبطة بمسارات محددة (مثل جدة) وبمواسم، ما يجعل العائد أقل اتساعًا مما توحي به اللغة الدعائية.

 

هذا يلتقي مع طرح الدكتور وائل النحاس الذي نقلته في مسودتك: المشكلة ليست في الفكرة بحد ذاتها، بل في التوقيت؛ لأن العائد قد يتأخر بينما الضغط المالي قائم الآن.

 

ويوازيه رأي السياسي والباحث الاقتصادي عمرو هاشم ربيع بأن جدوى المطار ستظل محدودة إذا لم تتحول العاصمة إلى مركز جذب فعلي للشركات متعددة الجنسيات، لا مجرد نقل إداري للمؤسسات.

 

“اختبار الحقيقة”: الاستدامة المالية، الشبكة، والتكامل مع النقل الداخلي

 

أي مطار جديد يحتاج “شبكة وجهات” لا “وجهة واحدة”. تشغيل 6 رحلات أسبوعيًا إلى جدة يضع حجر أساس مهم، لكنه لا يكفي وحده لصناعة اقتصاد مطار.

النجاح يرتبط بالتوسع التدريجي إلى وجهات أخرى ذات طلب واضح، وبضمان معدلات امتلاء وأسعار تنافسية، خصوصًا أن إير كايرو تعمل كنموذج منخفض التكلفة حيث حساسية السعر مرتفعة.

 

التكامل مع النقل الداخلي عامل حاسم أيضًا: إذا كانت رحلة الطيران تختصر ساعات، ثم يضيع المسافر وقتًا في الوصول البري، تتآكل ميزة المطار. لذلك، يصبح الحديث عن ربط العاصمة الإدارية بشبكات نقل (مثل المونوريل والقطار الكهربائي) جزءًا من معادلة الجدوى لا مجرد “تفصيل بنية تحتية”.

 

وفي الخلفية، يظل السؤال المالي الأكبر متعلقًا بحجم الالتزامات العامة للمشروع الأوسع للعاصمة الإدارية (المساحة المُعلنة رسميًا نحو 170,000 فدان)، وما إذا كانت الدولة قادرة على رفع معدلات الإشغال والطلب بما يجعل هذه الأصول أقل اعتمادًا على تمويل ودعم ممتد.

 

وأخيرا دخول مطار العاصمة على خريطة الرحلات الدولية عبر خط جدة خطوة “منطقية كبداية” لأنها تستهدف مسارًا عالي الطلب وتختبر جاهزية التشغيل سريعًا. 

 

لكن الجدوى الاقتصادية لن تُحسم بإعلان أول خط، بل بقدرة الدولة على تحويل المطار إلى عقدة سفر حقيقية عبر توسيع شبكة الوجهات، وتحقيق تشغيل منتظم خارج المواسم، وربط فعّال بالنقل الداخلي، والأهم: تحويل العاصمة الإدارية إلى مركز نشاط اقتصادي يخلق حركة سفر متكررة.

 

عندها فقط يمكن النظر للخط كبوابة عائد، لا كعنوان دعائي جديد يضيف “رمزية دولية” بينما يظل العائد محدودًا